في سجن صور، يقبع احمد (اسم مستعار، 29 عاما) في احدى الزنزانات ليستكمل عامين اضافيين من عقوبته من اصل خمسة لشروعه في محاولة قتل. وإذا كان القانون قد ادى واجبه في عقاب احمد على جرمه، فإنه أيضاً، وبالتعاون مع المجتمع، ادى ما اداه في معاقبة عائلته معه، والتي تواجه، بدورها، جملة من صنوف العقاب الاجتماعي والاقتصادي والمعنوي. فأحمد اب لطفل عمره سنتان، وابن لوالدة تعاني من مرض السرطان. وبرغم آلامها، فإنها تعمل في قسم التنظيف في احدى المدارس لقاء مئة وخمسة وعشرين الف ليرة في الشهر، وتتشاطر البيت المؤلف من غرفة واحدة مقسمة الى قسم للنوم وآخر للمطبخ، فضلا عن مرحاض صغير، مع حفيدها وشقيقتها المريضة المطلقة وابنتها. احمد كان مسؤولاً عن كل تلك المآسي. وعليه، فإن العلاجات والادوية لا يمكن شراؤها، والفحوصات الطبية اللازمة لا يمكن تأمينها، والتحاق الطفل بالمدرسة أمر مستبعد.

أما في سجن تبنين، فيمضي وليد (اسم مستعار، 27 عاما) مدة توقيفه الاحتياطي تمهيدا لصدور الحكم النهائي بحقه بتهمة القتل. عام مرّ على سجنه وعلى ترك زوجته وطفليه من دون معيل، يتدبّرون مصاريفهم مما يساعدهم به اهل وليد.
هاتان العائلتان تستفيدان من المشروع الذي اطلقته في آذار الماضي، جمعية «شيلد» اللبنانية التي تعنى بالدعم الاقتصادي والاجتماعي والصحي والتعليمي للسجناء اللبنانيين في السجون الجنوبية وعائلاتهم، بحسب مدير المشاريع في الجمعية سامر حيدر. المنظمة السويسرية DROSOS تمول خلال العامين المقبلين، رفع المستوى المعيشي و الاجتماعي لعائلات السجناء عبر نشاطات اقتصادية واجتماعية وصحية متنوعة ومتعددة من مساعدة مباشرة و غير مباشرة. واستنادا الى بنوده، يشكل الجزء الاساسي في المشروع، دورات تدريب مهني تعقبها مساعدة مباشرة للبدء بمشروع اقتصادي صغير حسب الرغبة والجدية والالتزام لضمان تأمين دخل للعائلة خلال فترة وجود الاب او المعيل في السجن.
المسار الذي سلكه دعم العائلتين، بدأ استمارةً ملأها ابناهما السجينان، وأعقبتها زيارات ميدانية متكررة الى منازل اسرهم. وفيما يشمل المشروع ورشاً وجلسات للسجناء تستهدف وضعهم النفسي والعصبي، فإنه يلحظ ايضا دعم من يطلق سراحه منهم خلال مدة تنفيذه.
وعليه، تحظى حاليا عائلة احمد بدعم اجتماعي وبدعم صحي جزئي لوالدته، فيما سيلحق طفله بحضانة. اما احمد نفسه، إذا اطلق سراحه قبل مرور عامين، فسيساعده المشروع على الحصول على وظيفة في المجال الذي كان يعمل فيه قبل سجنه. حينها، سيكون عليه ان يعزز مهاراته في الخدمة في الفنادق، وهو ما يوفره برنامج التدريب المهني في المشروع. لكن هل سيتقبل الفندق ذاته تشغيل «خريج سجون»؟ اما وليد فيحظى بتجهيز بسطة بيع العطورات التي كان يملكها في سوق صور، لكي يديرها شقيقه الذي سيتقاسم واسرته ارباحها.
عند اطلاق المشروع وافق ثمانون سجيناً على دعم عائلاتهم. منهم 36 من سجن صور و22 من سجن تبنين و20 من سجن النبطية. فلماذا لم يوافق الآخرون؟ في سجن النبطية، على سبيل المثال، هناك ثلاثون سجيناً رفضوا الاشتراك في المشروع لأسباب مختلفة بحسب الاخصائيين الاجتماعيين، منها انهم «لم يقتنعوا بصدق نوايا القائمين عليه، خصوصا ان الجمعيات التي قدمت العرض ذاته سابقا لم تف بوعودها». سجناء آخرون رفضوا بسبب «عدم تقبلهم تواصل عائلاتهم في غيابهم مع غرباء واستقبالهم لهم في بيوتهم لا سيما اذا كانت مدة محكومياتهم طويلة»، فيما امتثل بعضهم للعزلة الاجتماعية التي فرضت على عائلاتهم مذ اشيع «انهم مجرمون».
الدعم لا تستحوذ عليه العائلات وحدها، بل ينتقل الى السجين نفسه إذا دعت الحاجة. فأحد السجناء في صور، مثلاً، سيحظى بكرسي مدولب جديد وسرير يناسب احتياجاته الخاصة بسبب رجليه المبتورتين.
وإثر بدء الانشطة الميدانية، تحمس سبعون سجينا آخر للاستفادة من المشروع. 150 عائلة من المناطق كافة من بينها 5 من بيروت وواحدة من زحلة واخرى من طرابلس. 10 سيدات من زوجات وامهات واخوات سجناء اشتركن في دورة للتزيين النسائي. الخمس الاوائل منهن حصلن على فرصة تجهيز صالون نسائي خاص بكل منهن اينما اردن، على حساب المشروع.
برغم ذلك، لا يمكن أن يضرب المشروع بعصا سحرية على سجون الجنوب والقابعين فيها ومن ينتظرهم خارجها. فمن جهة، لا يلحظ المشروع مآسي عشرات السجناء الفلسطينيين والاجانب الذين يتشاركون الزنازين في تلك السجون، حتى ان سجن جزين مخصص بأكمله للاجانب. وعليه، لن يتمكن الطفل محمد (ست سنوات) من ضم والده بلا حاجز او المشاركة في الانشطة الترفيهية والاجتماعية التي يتحدث عنها المشروع. فالوالد المتهم بترويج المخدرات سوري الجنسية، والطفل يسكن مع والدته في بيروت ويحاول جاهدا متابعة دراسته وسط الظروف الاقتصادية الصعبة للوالدة. الا انه لا يتوانى عن قطع مسافة طويلة لثلاث مرات في الاسبوع لزيارة والده.
في المشروع ايضا، برنامج ورش تدريبية خاص بقوى الامن العاملة في السجون تستهدف رفع مستوى الوعي لحقوق السجين والقدرة على التعامل مع الحالات المختلفة وإدارة السجن عموماً. اما لماذا لم يخصص المشروع دورات مهنية داخل السجون، فيعود ذلك الى ضيق مساحتها وعدم جهوزيتها لاستقبال نشاط مماثل.
وتنص الاتفاقية التي وقعت بين «شيلد» ووزارة الشؤون الاجتماعية على اعتماد مقاربة تشاركية مع هيئات وجمعيات المجتمع المدني الصحية والاجتماعية والتربوية المتخصصة «في محاولة لحثها على وضع هذه الفئة المهمشة على قوائم المستفيدين من خدماتها حتى بعد انتهاء مدة المشروع».