في جلسة لجنة حقوق الإنسان النيابية التي عقدت قبل أسبوعين، لم يستعمل النائب علي عمّار كل أسلحته الألسنية. تحدّث قليلاً، ثم ترك لزميله نوار الساحلي، القادر على ضبط أعصابه، مهمة الرد على المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي. لكن في جلسة أمس، قرر عمّار أن يكون قوة «إسناد ناري». لم يكن «موصى» هذه المرّة. اخترق صوته ضخامة جدران القاعة. هرع الواقفون عند مدخل المبنى، في مجلس النواب، لمعرفة هوية «المجلود» بصوت ابن برج البراجنة. إنه النائب أحمد فتفت. عرف ابن الشمال كيف يستفز عمّار، من خلال استحضار «القمصان السود»، فردّ عمار بعنف. بعد ذلك، مع حضور النائب خالد الضاهر، كان لا بد للحاضرين من الانقسام إلى «فسطاطين». حصل هرج ومرج، صراخ، صخب، شتائم وسباب، تهديد ووعيد. هكذا، كانت جلسة لأي شيء، باستثناء... حقوق الإنسان.

في الجلسة السابقة، بعد كشف ريفي معلومات وصفت بالخطيرة تتعلق بخطف كل من جوزف صادر وشبلي العيسمي والإخوة من آل جاسم، طلب فريق الأقلية النيابية حضور النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا إلى الجلسة الثانية. وبالفعل، حضر ميرزا أمس. فاجأ القاضي النواب المحسوب عليهم سياسياً. أسمعهم كلاماً لم يرغبوا في سماعه. «الملفات غير مكتملة لدينا، وبالتالي، ليس لدى القضاء معطيات حاسمة حالياً». من نظر إلى وجه فتفت، الممتلئ حسرة، بعد كلام ميرزا، يفهم سبب استحضاره قضية سلاح حزب الله، وسوى ذلك من القضايا الاستفزازية، لتخرج بعدها الجلسة عن سياقها الحقوقي كلياً. من جديد، فاجأ ميرزا الجميع، إذ أعلن أن ذوي الإخوة جاسم قد تراجعوا عن ادّعائهم في شهر آذار الماضي، أي بعد نحو شهر على الادّعاء. هنا، لم يكن لملامح وجه فتفت إلا أن تزداد حسرة. راح يتنفّس بسرعة. يتلفّت كثيراً. بدا كمن يريد فعل شيء لا يعرف ما هو. يُعلّق أحد نوّاب الأكثرية الحالية على الحالة التي عاشها فتفت، بعد «الصدمة» التي تلقاها من القاضي المحسوب على فريقه السياسي، قائلاً: «أتفهّم شعوره في تلك اللحظات، لقد طلب وفريقه حضور ميرزا للاستقواء به، لكنه خذلهم. فتفت وفريقه السياسي كانوا في الجلسة نموذجاً للمثل الشعبي القائل: جبنا الأقرع ليونّسنا، كشّف عن قرعتو وفزّعنا».
الجلسة لم تكن مخصصة، كما سابقتها، لمتابعة قضية الإخوة جاسم، بل لمتابعة الوضع الإنساني لجوزف صادر وشبلي العيسمي. لكن استحضار ريفي للملف الأول، في الجلسة السابقة، جعل جلسة أمس خالية تماماً من أي ذكر لصادر والعيسمي. خرجت الجلسة عن جدول أعمالها. بدا رئيس اللجنة، النائب ميشال موسى، عاجزاً عن تصويب أطر النقاش. تحدّث كل من النواب: جورج عدوان وبطرس حرب وعاطف مجدلاني ومعين المرعبي. حمّلوا النظام السوري مسؤولية خطف الإخوة جاسم، مستندين إلى ما لمّح إليه ريفي سابقاً، إضافة إلى ما سُرّب أخيراً من محاضر تحقيق. بقي كلامهم مقبولاً لناحية عدم الاستفزاز، على حدّ وصف أحد نواب الفريق الآخر. بعد ذلك، تكلم النائب نواف الموسوي، قائلاً: «من أمد بعيد، هناك في لبنان أشخاص ضد سوريا، ولكن لا يمكن معالجة موضوع الجلسة إلا من خلال الأطر الدبلوماسية. فهناك سفارة لسوريا في لبنان، وهناك مجلس أعلى للتعاون». توجه الموسوي إلى وزير الداخلية مروان شربل، الذي حضر الجلسة وغاب ريفي، وسأله: «نريد أن نعرف بأي صفة تحدّث ريفي في المرة الماضية؟ فهو موظف ولا يحق له إبداء آراء شخصية». لم يقدّم شربل جواباً شافياً، واكتفى بالقول إنه تحدث في الموضوع مع ريفي. عندها وقف فتفت متوجهاً إلى الموسوي، طالباً منه عدم سؤال وزير الداخلية وعدم التعرّض لريفي. طلب عمّار من فتفت عدم الجدال في الموضوع وترك الأمر للقضاء الذي يمثله القاضي ميرزا في الجلسة. كلمة من هنا، وأخرى من هناك، وما عاد أحد يفهم على أحد. عبّر فتفت عن اشمئزازه الشديد من القمصان السود والسلاح، فانتفض الموسوي قائلاً له: «أنت من أصحاب القلوب السود». شتائم من العيار الثقيل راح يتقاذفها النواب، طالت إحداها عمّار، فقام عن كرسيه رادّاً بمثل ما تلقّى، قاصداً الوصول إلى فتفت، قائلاً له: «هذا المكان محترم، ولكن إن أردت أن تكون قليل الأخلاق فلاقني في الخارج. أنت يداك ملطختان بدماء شهدائنا وأطفالنا. أنت صاحب ضيافة الشاي للإسرائيليين في ثكنة مرجعيون». أُخرِج عمّار من الجلسة، لكن فتفت لم يخرج. لم يلبّ الدعوة. حاول بعدها الرد على عمّار، لكنّ الموسوي والساحلي وقفا له بالمرصاد، طالبين من رئيس اللجنة منعه من تناول زميلهم في ظل غيابه. عزّ على فتفت أن يصبح الشاي مرادفاً لاسمه، وأن تظل تُستحضر حادثة مرجعيون إلى ما لا نهاية. وقف ليكشف عن سر، في محاولة للتخلص من ذاك الصيت اللعنة. قال: «بعد شهر ونصف على الحادثة عام 2006، جلست أنا والحاج وفيق صفا، المسؤول الكبير في حزب الله، وأخبرني أنه لا وزير داخلية خدم حزب الله كما فعلت أنا». رفع الموسوي حاجبيه مستغرباً، من دون أي تعليق.
أين بقية النواب مما يحصل، بعيداً عن ارتفاع الأصوات المتداخلة؟ لا شيء يذكر. فقط شوهد النائب القواتي إيلي كيروز يتقدم إلى النائب عدوان ليهمس في أذنه كلمات قليلة، ثم يعود إلى مقعده. وحده مقرر اللجنة، النائب غسان مخيبر، كان قادراً على إعادة الهدوء إلى الجلسة. خاطب الجميع قائلاً: «ما دام القضاء لم يقل كلمته في الموضوع، فإن المسألة ستبقى محطّ جدال وسجال. المطلوب من القضاء، من القاضي ميرزا، تسريع العمل في هذه الملفات بناءً على التحقيقات الأمنية». هزّ عدوان رأسه موافقاً، لكن الموسوي طالب بأن تحصل التحقيقات بـ«أدوات أمنية نزيهة».
بعد الجلسة، صرّح عدد من النواب للإعلاميين خارج القاعة. النائب مروان حمادة حمد الله على وجود محكمة دولية. غمز حمادة من عدم ثقته بالقضاء اللبناني، حتى ولو كان ميرزا على رأسه، ما دفع بعض الحاضرين إلى السؤال عمّا إذا كان ميرزا قد أصبح من قوى 8 آذار. من جهته، قال عدوان: «لقد فوجئنا بأنه لم يجر تحريك أي شيء في ملف الإخوة جاسم منذ شهر شباط الماضي، وأنا لا أنظر إلى التوجه السياسي للقاضي سعيد ميرزا أو للقاضي صقر صقر، لكن أنا رجل قانون أنظر إذا ما كانا قد طبّقا القانون أو لم يطبّقاه». تحدث بعده فتفت قائلاً إن ما حصل في الجلسة «أضعه بتصرف دولة رئيس مجلس النواب». أما النائب أكرم شهيب، الذي انسحب من الجلسة باكراً، فقال إن «قضية خطف العيسمي لا علاقة لها، لا بـ8 ولا بـ14 آذار، بل بالقضاء والمؤسسات والقوى الأمنية وحفظ مؤسسات الدولة. هناك معطيات نشرت في وسائل الإعلام واضحة بشأن هذا الملف، وكلّ لديه معطياته السياسية، ولديه موقعه السياسي، ولكن على القضاء أن يقول كلمته».




الأستونيون السبعة وشهود الزور

رفع النائب خالد الضاهر صوته أكثر من مرة، أمس، خلال جلسة لجنة حقوق الإنسان. كان يتوجه إلى النائب نواف الموسوي، لكن الأخير كان يصرّ، عمداً، على عدم الرد عليه مباشرة. في الجلسة، غير الحقوقية إطلاقاً، جرى استحضار موضوع تهريب السلاح إلى سوريا عبر الحدود اللبنانية. أيضاً، استحضر ملف شهود الزور. حتى قضية خطف الأستونيين السبعة حضرت أيضاً. حُكي عن تخطّي السفارة الفرنسية لحدود العمل الدبلوماسي، من خلال طريقة عملها في تحرير الأستونيين. جرى تناول دور الملازم في قوى الأمن الداخلي ص. ح. في عملية خطف الإخوة جاسم. النائب نوار الساحلي أوضح أن النائب علي عمار قال للنائب أحمد فتفت «يمكننا التكلم في الخارج، احتراماً للحاضرين، ولم يكن يقصد العراك معه، ولكن فتفت ضخّمها». كان لافتاً حضور ضابطين من الجيش اللبناني في الجلسة، إضافة إلى ضابط من الأمن العام، ولكن من دون أن يتدخل أيّ منهم في النقاش.