تمتنع محطات الوقود المدنية، منذ نحو عشرة أيام، عن استقبال قسائم المحروقات المخصصة لقوى الأمن الداخلي، بناءً على قرار من المديرية العامة. وتلى ذلك، صدور أمر بَرقِيّ إلى المحطات العسكرية يقضي بعدم استقبال هذه القسائم للسيارات المدنية الخاصة بالعسكريين، باستثناء السيارات العسكرية، وذلك حتى إشعار آخر. لكن المديرية، التي تعزو أوساطها القرار إلى أسباب مالية بحتة، أصدرت قراراً جديداً استُثني فيه المدير العام وقادة الوحدات والمديرون السابقون والعمداء الحاليون والسابقون من القرار السابق، علماً بأن معظم الذين جرى استثناؤهم يملكون سيارات عسكرية تحت تصرفهم، ولا تقارن حاجتهم إلى قسائم الوقود بغيرهم من صغار الضباط والرتباء الأكثر حاجة إلى الاستثناء.


وأمس، صدر قرار جديد استثني فيه الضباط الذين لا يملكون سيارات عسكرية من القرار الأساسي، ما يعني أن وقف صرف القسائم بات يقتصر على الرتباء فقط، وهو ما يحرم هذه الفئة من نحو 450 ألف ليرة لبنانية هي قيمة القسائم، كانوا يعوّلون عليها في معيشتهم نظراً إلى انخفاض رواتبهم إذا ما قورنت بالغلاء المعيشي الحاصل. ورأى معظم الرتباء أن القرار بمثابة خفض للرواتب بدلاً من «الزودة » التي منّوا النفس بها.
إذاً، قوى الأمن بلا بنزين حتى إشعارٍ آخر. بالكلمات الثلاث الأخيرة، اختتم الأمر البرقي الأول. لكن المسألة يبدو أنها لم تنته عند هذا الحد، فقد تحدثت مصادر أمنية عن توقف المديرية عن دفع المساعدات المرضية لأفرادها منذ أشهر عدة. ورغم أن مسؤولاً أمنياً نفى ذلك، أكد ضباط ورتباء أنهم لم يقبضوا المساعدات المرضية منذ أكثر من سنة. ويشير كثيرون منهم الى أن الصيدلية العائدة لقوى الأمن الداخلي تفتقر الى عدد كبير من الأدوية الضرورية، بسبب عدم وجود اعتماد مالي لشرائها.
مسؤول أمني أكد لـ«الأخبار» أن المشكلة القائمة ليست موجودة في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي فحسب، بل هي تنسحب على جميع الإدارات الرسمية، وعزا الشح الذي تعاني منه المديرية الى عدم وجود اعتمادات مالية في حسابات وزارة الداخلية، نتيجة تخطي ما هو ممنوح لها. وأوضح أن المديرية تُنفق وفق اعتماد موازنة 2005، شأنها شأن بقية الإدارات العامة، إلا أن ارتفاع حجم النفقات في السنوات الست الماضية فاق الاعتمادات المخصصة، بعد تطويع أكثر من عشرة آلاف عسكري، مع ما يستتبعه ذلك من ازدياد استهلاك الآليات بسبب تضاعف المهمات، فضلاً عن ارتفاع أسعار النفط عالمياً. فعلى سبيل المثال، عدد سيارات فرع المعلومات عام 2005 يختلف عمّا هو عليه اليوم. والأمر نفسه ينسحب على فوج التدخل السريع والقوى السيارة وبقية الوحدات التي ارتفعت نفقاتها كلها. تضاف إلى ذلك، المصاريف السرية التي تضاعفت مئات المرّات عما كانت عليه عام 2005. وفي هذا الإطار، تكفي عملية مقارنة بسيطة لتظهير الواقع. فاعتماد الموازنة عام 2005 المتعلق بنفقات الأدوية بلغ خمسة مليارات و170 مليون ليرة، فيما وصل عام 2010 إلى 11 ملياراً، علماً بأن المبلغ الذي أنفق في العام الأخير تخطى 12 ملياراً وخمسمئة مليون ليرة.
وكان وزير المال محمد الصفدي قد تقدم إلى مجلس الوزراء بمشروع قرار معجل لصرف مبلغ 8900 مليار ليرة، يضاف إلى المبلغ المرصود في موازنة عام 2005، لتغطية الإنفاق الإضافي حتى كانون الأول من العام الجاري. وأحال مجلس الوزراء مشروع القانون إلى المجلس النيابي لإقراره، حيث لا يزال عالقاً.
وعلى رغم أن الأزمة تشمل كل الإدارات العامة، إلا أنها أكثر بروزاً في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، وهو ما يعزوه أحد المسؤولين إلى خطأ في التعاطي، إذ إن في إمكان الوزارة طلب سلف خزينة لسد النفقات الحالية.
مطلعون على أوضاع المديرية تساءلوا عن أسباب بروز هذه المشكلة الآن تحديداً، علماً بأن النفقات لم ترتفع فجأة هذا العام. واستغربوا عدم استباق القيمين على المؤسسة الأمنية للأزمة بتقديم موازنة مفترضة للمصاريف، ملمّحين إلى أن رفع الصوت فجأة هدفه «الابتزاز السياسي». إلا أن مصادر رفيعة في قوى الأمن الداخلي أكدت أن الأزمة حقيقية، لافتة إلى «مراجعة كل المراجع المختصة، وعرضنا الوقائع، لكن أحداً لم يقدم حلاً»، فـ«مشروع القانون المنتظر لا يزال عالقاً في مجلس النواب». أما ما يتردد عن عدم طلب السلف، فلفتت المصادر إلى أنه جرى التقدم بطلبات سلف خزينة، وهي تنتظر الموافقة عليها، وأكدت أنه تم التقدم بعرض الموازنة التي تحتاج إليها المديرية، لكن المبالغ التي توافرت كانت أقل من المطلوب.




الزيت مقطوع

أبدى مسؤولون أمنيون خشيتهم من أن يكون الشح المالي الذي تعاني منه المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي أول الغيث، معربين عن تخوفهم من التأثيرات السلبية التي يمكن أن تنجم من ذلك على عمل القوى الأمنية، وبالتالي على أمن المواطنين. وأبلغ أكثر من مسؤول أمني «الأخبار» أن أول التأثيرات بدأ يطال الآليات العسكرية التابعة لقوى الأمن الداخلي. وأوضح هؤلاء أن مرأب تصليح السيارات التابع لقوى الأمن خالٍ هذه الأيام من السيارات، وأي سيارة تتعطل يتم إيقافها، لعدم توافر اعتمادات لشراء قطع غيار لها. كما طلب من سائقي السيارات العسكرية التي حان وقت تغيير زيت محرّكاتها إضافة 1000 كيلومتر الى عدّاداتها التي سجّلت 5000 كيلومتر لأن زيت المحركات مقطوع أيضاً!



الحلقة الأضعف

يشعر كثيرون من الرتباء في قوى الأمن الداخلي بـ «مظلومية» مردّها تعامل المديرية معهم بوصفهم «الحلقة الأضعف». وفي هذا الاطار يستغربون حصر تطبيق وقف قسائم المحروقات بهم على رغم ان قيمتها تشكل نسبة معتبرة من دخلهم، فيما يستمر صرف مخصصات السفر للضباط من دون أن يتأثر هذا الشق بالأزمة المالية القائمة. والأنكى من ذلك، بحسب هؤلاء، أن عدد الضباط الذين يسافرون للخضوع لدورات تدريبية في دول عربية وغربية ارتفعت عما كانت عليه في السابق، مع ما يعنيه ذلك من كلفة تترتب على المديرية لبدلات السفر، ويتساءلون: هل سفر الضابط لعشرة أيام أولى من توفير البنزين للمؤهل، علماً أن مخصصات الأخير وراتبه لا تقارن بتلك التي يحظى بها الضابط.