اليوم، تترك علية عقيقة سوق المونة والمنتجات الزراعية والحرفية «أرضي ــــ 5»، وفي جعبتها 750 ألف ليرة لبنانية. مع الـ750 ألفاً، ستحمل ربة البيت إلى قريتها أقل من نصف مؤونتها التي لم تصرّف، والتي كانت قد قضت شهوراً في إعدادها. لم تكن تحلم المرأة بأكثر من تلك الغلة، وخصوصاً أن المعرض أتى قبل «آخر الشهر» بخمسة أيام، لكنها كانت تتمنى لو أنها «غلة صافية». إلا أنه «ليس كل ما نتمناه ندركه»، تقول، فالغلة على ضآلتها «طاير نصفها»: 100 دولار أميركي أجرة تحميل البضاعة من القرية إلى معرض أرضي، و100 أخرى أجرة إرجاعها. 300 ألف ليرة من دون احتساب التكاليف الأخرى. فماذا عن تعب اليدين؟ وكلفة ما دفعته لإعداد بعض المنتجات كالصعتر و«دقّة الكبة»؟و هل تكفي 450 ألفاً لتسديد كل تلك الأتعاب؟ أم هل تكفي 10 أيام لتصريف شغل عام كامل؟ ام هل يكفي لـ «أرضي» أن يبقى معرضاً سنوياً محدوداً ببضعة أيام بالكاد يستطيع العارضون فيها تصريف نصف ما عرضوه؟ ولمَ لا يكون سوقاً دائماً يتخطى التصريف ويدعم قطاعات كثيرة كالزراعة والأشغال الحرفية، إضافة إلى المؤونة، ويؤمن فرص عمل للكادحين الباحثين عن الرزق؟

يختلف الجواب عن تلك الأسئلة من العارضين إلى المسؤولين عن المعرض. فالعارضون، الذين يطغى عليهم الحضور النسائي، يتمنون «لو أن معرض أرضي يقام مرتين في السنة، وان لا يكون محصوراً ببيروت»، تقول حُسْن خازم. تعوّل السيدة الخمسينية في أمنيتها على «وعي المسؤولين لهذا الأمر، فالمعرض بصيغته الحالية يمكن أن يأتي بالأرباح، لكن ليست تلك التي تفي تعب عام كامل من العمل». ثمة اعتراض آخر على المعرض، يتعدى «الصيغة» ليصل إلى التوقيت «غير المناسب». وهو اعتراض نال إجماع أكثرية العارضين، وخصوصاً أن المعرض يأتي «مع نهاية شهر المونة، يعني اللي موّن موّن»، تقول زينب أسعد. وأكثر من ذلك، إعلان افتتاحه في مثل هذا الوقت «يعني ضرب بعض مواسم الزيت والزيتون، حيث يضطر المزارعون إلى قطف زيتونهم قبل أوانه حتى يلتحقوا بالمعرض»، تشير راغدة سعد، لكن، هل هي أزمة توقيت فقط؟ لا، فهناك أزمة «10 أيام بالكاد كافية لتصريف ما أنتجناه». وإن كانت السيدة لا تخفي «رضاها» عن المعرض الذي يساعدها على تأمين دخل معقول و«دعاية ببلاش وتربية زبونات»، إلا أنها تطمع في المزيد. تطمع بـ«مدخول صافٍ، لا تقتطع منه المواصلات وبمؤسسة جهاد البناء التي يفترض بها أن تؤمن لنا على الأقل مكاناً لتصريف المتبقي».
ثمة طمع أكبر، يقول العارفون. طمع بمقاربة «أكثر ثورية للمعرض»، وهي تلك التي تقوم على الخروج من قانون السوق، الذي لا يحمي إلا الرأسماليين والوسطاء، والتوجه نحو تعزيز منظومة مكونة «من مزارعين محليين ومنتجين، من جمعيات وأفراد أيضاً، وسوق ومستهلكين». وهنا، يأتي دور مؤسسة جهاد البناء. فبحسب المتخصصين بهذا الشأن، يفترض بالمؤسسة أن «تعزز الثقة والصلة بين هذه الأطراف، التي من شأنها تنمية قطاعات محلية وممارسة الرقابة على المنتجات، للتأكد من النوعية لاستمالة المستهلكين وتعزيز الرابط المباشر بينهم وبين المنتجين». وهذا لا يكون بمعرض واحد ولمدة محددة مسبقاً، بل «بتعددها، كأن تقام أسواق أيام جوالة على المناطق». وبهذا الأسلوب «نتخلص من البضائع المتشابهة، ويصبح التنويع في تلك الأسواق خاصاً بكل منطقة على حدة». وكل هذا قد لا ينجح من دون «تسهيل المواصلات للمشاركين».
لكن، هل تنجح كل هذه الطروحات؟ أولاً في «الهيكلية» لا يمكن تحقيق ذلك، فنجاح معرض أرضي «يستند إلى فكرة وجوده في المدينة، إذ لن يكون بمقدور أيّ معرض في القرى أن ينجح، وخصوصاً أن أهلها هم أهل المؤونة»، يقول مدير المعرض خالد ياغي، لكن، ذلك لا يلغي «ما نقوم به عاماً بعد آخر من توسيع مروحة أرضي، إذ إننا نجحنا هذا العام بإقامة معرض خيرات أرضي في النبطية، ونحن نعمل لتنظيم معرضين العام المقبل في قلعة بعلبك وفي جبيل». وعلى المدى البعيد؟ لا تلغي المؤسسة فكرة «أن يصبح أرضي معرضاً دائماً، لكن هذا رهن بالمكان»، إضافة إلى أفكار أخرى «تتمحور حول إقامة أسواق في المناطق».
يذكر أن المعرض الذي افتتح في 26 تشرين الأول الماضي، يتضمن حوالى 3400 منتج حرفي، و1083 صنفاً من المنتجات الزراعية، التي تتنوع ما بين المربيات والمقطرات والمخللات والمكبوس والزيوت والحبوب والصلصات والأجبان والألبان...