يتحدى المؤرخ البريطاني بيتر فرنكوبان، مدير قسم الدراسات البيزنطية في جامعة أوكسفورد، ألف سنة من الاجتهاد التأريخي في نظرته الى الحملة الصليبية الأولى. كتابه The First Crusade: The Call from the East (الحملة الصليبية الأولى: النداء من الشرق) يرفض المبدأ المعتمد لانطلاق الحروب الصليبية باعتبار أنها حروب دينية بامتياز. فرنكوبان يرى أن هذا المبدأ مبني على «سوء فهم»، إذ إن أبحاثه التاريخية تشير الى أن الحملة الصليبية الأولى لم تكن حرباً دينية، ولم يقم بابا روما بإطلاقها، ولم يكن من أهدافها استعادة القدس، بل كانت نتيجة الوضع السياسي في الإمبراطورية البيزنطية.

يسلّط كتاب المؤرخ الجديد الضوء على الأصول المشرقية للحروب الصليبية، فيستند في أبحاثه الى مصادر بيزنطية، أرمنية، عربية ويهودية، وهي مصادر غالباً ما جرى التعامل معها سطحياً، لكنها في الواقع تعطي نظرة أخرى لأسباب اندلاع تلك الحروب. وبحسب فرنكوبان، أتى انطلاق الحملة الصليبية نتيجة الوضع المتأزم للإمبراطور البيزنطي ألكسي كومنانوس، الذي كان يواجه سلسلة ثورات ومؤامرات لإطاحته، فاتصل ببابا روما، الذي كان بدوره يواجه بابا آخر انتُخب بدعم من الإمبراطور الألماني هنري الرابع. تلاقي مصالح الرجلين أدى إلى مجمع كليرمون في جنوب فرنسا سنة 1095، الذي يؤرخ به لبداية الحروب الصليبية. حينها، بحسب الرواية المعروفة، وجه البابا أوربانوس الثاني خطابه الى ملوك أوروبا الغربية وفرسانها وشعوبها، داعياً إياهم الى السير لتحرير القدس من أيدي «المسلمين الأتراك» (أي السلاجقة). وقد لبى الدعوة جمع يقدر عدده بثمانين أو تسعين ألف أوروبي. وخلال أربع سنوات، تمكن جنود هذه الحملة الصليبيون ـــــ ثيابهم مزينة بإشارة الصليب ـــــ من احتلال القدس التي بقيت قرنين تحت سيطرتهم.
لكن فرنكوبان يرى أن ذريعة تحرير القدس بعيدة عن الحقيقة، وإلا لكانت الحملات الصليبية قد بدأت مع سقوط المدينة في أيدي المسلمين سنة 637. وبالنسبة اليه، فإن الحملة الصليبية الأولى لم تكن حرباً دينية، بل حملة عسكرية ذات أهداف محددة، وهي استرجاع مدن نيقية وإنطاكيا من السلاجقة لمصلحة الإمبراطورية البيزنطية. أما فكرة استرجاع القدس، فهي مجرد «طعم» استعمله البابا ليحفز الملوك والجماهير، لكن ما حصل أن رجالات الحرب رفضوا الانصياع للاتفاق المبرم بين الإمبراطور البيزنطي والبابا، باعتبار أنهم ليسوا مرتزقة لمصلحة الإمبراطور، فرفضوا تسليم المدن. ولتبرير أعمالهم، شنوا حرباً فكرية ضد الإمبراطورية البيزنطية والكنيسة الأرثوذوكسية، المنفصلة عن الكاثوليكية منذ عام 1054.
وعلى أية حال، استفاد البابا من ذلك لبسط سلطته المعنوية والدينية والسياسية على ملوك أوروبا الكاثوليك، وعرض عليهم توسيع دولهم ونطاق نفوذهم الى الشرق. أما الإمبراطور الكسي، فأُقصي بعناية عن الرواية الرسمية، وبخاصة بعدما قامت الحملة الصليبية الرابعة باحتلال القسطنطينية ونهبها سنة 1204، وكانت حينها أكبر مدينة مسيحية في العالم.