ذات يوم من سنة 1928، اكتشف فلاح سوري مقبرة في مدينة رأس شمرا. اكتشاف أثار فضول عالمَي الآثار الفرنسيَّين دوسو وشيفر، اللذين كانا ينقّبان في موقع مجاور. كشفا على المكان ليكتشفا دليلاً أولياً على واحدة من أهم حضارات الشرق القديم، كانت ضائعة منذ آلاف السنين. إنها مدينة أوغاريت التي أتت على ذكرها كتابات المدن الكبيرة، والتي لم يكن أحد يعرف بوجودها حتى ذلك اليوم، لكن الحفريات الأثرية التي ستتوالى عليها ستغير وجه دراسات العالم القديم. فأوغاريت مثّلت حقبة في تطور البشرية، فكانت مركزاً مهماً في التجارة والسياسة لمدن الشاطئ، وكانت لها كتابتها التي تُعَدّ في حد ذاتها مرحلة انتقالية من الكتابة المسمارية إلى الكتابة الفينيقية السمعية. وبعد عقود من الدراسات، أتى كتاب العالم السوري غابريال سعادة ليختصر مجمل هذه الأبحاث ويعطي في مرجع واحد دراسة تاريخية تفصيلية عن المدينة منذ نشأتها إلى نهايتها، أي ما يزيد على 5000 سنة.

وسعادة هو من الشخصيات المهمة في النهضة العلمية في سوريا من أربعينيات حتى سبعينيات القرن الماضي. وهو كان يُعَدّ محرك الحياة الثقافية في مدينته اللاذقية. ويصف مدير الحفريات العلمية في سوريا، الدكتور ميشال مقدسي، سعادة بأنه كان «من أعمدة تطور علم الآثار في سوريا، وكان همه أن تتأسس في الوطن مدرسة تُعدّ لجيل المستقبل الذي سيحمل الدراسات إلى مستوى أعلى. وكان همه الأول الربط بين هذه التنقيبات الأثرية والمكتشفات والهوية الوطنية والشعور بالانتماء».
وكان سعادة متضلعاً بكل مجريات التنقيبات في مسقط رأسه اللاذقية. وكل العلماء الفرنسيين الذين عملوا في أوغاريت كانوا يعرفونه عن كثب. فهو كان صلة الوصل بينهم وبين السلطات، وكان المهيئ لأعمالهم ودراساتهم، وكان متضلعاً بتاريخ أوغاريت، وعمل بنحو مكثف على ترجمة نصوصها إلى العربية.
في قاعة محاضرات متحف الجامعة الأميركية ببيروت، جلس أربعة علماء يتذكرون زميلهم الذي كتب مرجعاً عن مدينة أوغاريت، لكنه لم ينته منه قبل وفاته سنة 1997، فعمل زملاؤه وقريبته الدكتورة ليلى بدر على إنهاء ما بدأه، ونشر المركز الفرنسي للدراسات الكتاب الذي أشرفت عليه العالمة الفرنسية مارغريت يون.
«أوغاريت ومملكتها من بداياتها إلى تدميرها» Ougarit et son royaume des)
(origines à sa destruction كتاب علمي من 500 صفحة باللغة الفرنسية واختصار لها في 40 صفحة باللغة العربية، يروي قصة حضارة مستعيناً تارة بالمعالم الأثرية، وتارة أخرى بالكتابات المسمارية التي خلفها سكان أوغاريت داخل بيوتهم ومكتباتهم. وتقول يون إنها عثرت سنة 1994 على أكبر مجموعة من الرقم الطينية في أوغاريت، مؤلفة من 400 قطعة.
جزء من الكتاب مخصص لتاريخ مملكة أوغاريت مع تحديد السلالة الملكية وعلاقاتها بمدن الساحل والجوار. الرقم الطينية المكتشفة لم تخفِ أي جانب من الحياة اليومية للسكان. فهناك رقم عن الطلاق، وأخرى عن المهر وغيرها عن عملاء يتعاطون التهريب والتزوير... وهناك رسائل دبلوماسية بين ملك أوغاريت وملوك جبيل وبيروت وصور، تبرز العلاقات بين هؤلاء السكان. فملك صور مثلاً، أرسل لملك أوغاريت رقماً يأسف فيها على احتراق قصره الرائع الذي لا يتأخر عن وصفه، ما يسمح لعلماء الآثار بإعادة تكوينه على اعتبار أن النص شاهد على ما كان عليه القصر. وتشرح يون قائلة إن ترجمة هذه الرقم أبرزت دور مدينة أوغاريت الإقليمي في الألف الثالث قبل الميلاد، إذ كانت تمثّل مركز استقطاب سياسي واقتصادي. وتقول يون إن أهمية هذه المدينة لم تتوقف هنا، بل امتدت إلى اللغة الكتابية التي اكتشفتها أوغاريت، فسهلت الكتابة المسمارية وسمحت بالوصول إلى الكتابة السمعية. ويشرح الكتاب المكتشفات الأثرية في أوغاريت ويعطي بالخرائط شكل المدينة ومعالمها الأساسية التي أتم العلماء إعادة بنائها بشكلها قبل أن تدمر. ومن خلال دراساته، أكد سعادة أن أوغاريت لم تكن مجرد مدينة، بل مملكة تمتد سلطتها على كافة أرجاء اللاذقية، وتبدو آثار ذلك التوسع واضحة بالديانة. فمنحوتات كل من الآلهة بعل وإيل تنتشر من أوغاريت إلى تل سيانو ورأس ابن هاني.
إنها قصة رجل كان أصدقاؤه يطلقون عليه تسمية «ملك أوغاريت»! إذ أمضى حياته يدرس تلك الحضارة التي دمرها اجتياح شعوب البحر، وكان يعدّ نفسه خلفاً لأهلها في موطنهم اللاذقية.