برصاصة خلف الأذن، أُعدم جميع الضحايا. عُثر على جثثهم مرمية، إما على الطرقات أو داخل سياراتهم. أسباب جرائم القتل لا تزال مجهولة، حالها كحال الدوافع التي تكاد تكون معدومة أيضاً. معظم الضحايا لم يُسرق منهم شيء، ما عدا ضحيتين أو ثلاثاً كانوا يحملون مبالغ مالية كبيرة نسبياً، لامست خمسة آلاف دولار. أضف إلى ذلك، وقوع جميع هذه الجرائم ضمن نطاق منطقة المتن. فمسرح القاتل، بحسب المعلومات الأمنية، يتركز في المنطقة الممتدة من سن الفيل حتى نهر الموت. من هنا، يستبعد أكثر من مسؤول أمني أن يكون الدافع للقتل هو السرقة، باستثناء إخفاء القاتل للأوراق الثبوتية للضحية. كذلك إن السيناريو الذي يتشابه إلى حد التطابق في جميع الجرائم المرتكبة ينفي هذه الفرضية. ويرجح مسؤولون أمنيون فرضية ترابط الجرائم مع توجه إلى حسم أن يكون القاتل مهووساً مرضياً؛ إذ لم يتمكن المحققون من تحديد مبرر وحيد يُثبت عكس ذلك. وفوق كل ذلك، بات يُتداول في أروقة التحقيق عبارة «قاتل سائقي التاكسي»؛ إذ إن معظم الضحايا البالغ عددهم 11 قتيلاً، كانوا يعملون سائقين عموميين.

القوى الأمنية كانت حائرة حتى الأمس القريب حيال القاتل الذي لم يترك أثراً واحداً يُحدد دوافعه. فلا وجود لأي صلات سياسية أو طائفية أو مذهبية بين الضحايا، ولا رابط بينهم سوى أنهم ذكور يعمل جزء منهم سائقي سيارات أجرة. والسرقة لم تكن هدفه، ولا علاقة معرفة تربط بين أي من الضحايا الذين سقطوا. والقاتل لم يترك أي دليل يوصل إليه، باستثناء مظروف رصاصة عائدة لمسدس من عيار 7 ملم قرب كل جثة، لكن نجاة أحد الضحايا الذي لم تكن إصابته قاتلة أوجدت خيطاً، من دون أن يعني ذلك أن الخيط سيوصل إلى كشف القاتل. فقد عثر على الرجل حيّاً فنُقل إلى المستشفى. هناك، أعطى إفادته وأدلى بمواصفات المشتبه فيه. تبين أن من ينفذ عمليات القتل تلك، أو من يُعتَقَد أنه يقف خلف العملية، هما شابان. أوقفا السائق وطلبا منه إيصالهما إلى محلة غبالة مقابل 50 ألف ليرة. وافق السائق، وما إن صعد المذكوران، حتى شهرا مسدساً حربياً في وجهه. أجبراه تحت تهديد المسدس أن يغيّر وجهته، ولمّا وصلا إلى أحد الشوارع الفرعية طلبا منه التوقف. حاول مصارعتهما، لكنهما عاجلاه بطلق ناري ثم رمياه في الشارع. اعتقدا أنه قتل، فتركاه ورحلا. أنقذ الرجل، لكنه لم يتمكن من تحديد مواصفات المشتبه فيهما.
وبحسب المعلومات المتوافرة، يقتل الشابان سائق السيارة، ثم يقودانها، قبل أن يتركاها في مكان لتعثر عليها الأجهزة الامنية لاحقاً. وفي العملية الأخيرة التي جرت نهاية الأسبوع الماضي، سرقا سيارة تاكسي بعدما قتلا سائقها. ويرجح الأمنيون أنهما استعملا السيارة ليقلّا جندياً في الجيش اللبناني، قبل أن يقتلاه أيضاً.
وبحسب التقارير الأمنية، بدأ مسلسل القتل في التاسع من أيلول العام الجاري. فعند السابعة والنصف صباحاً، عثر على جثة رجل مجهول الهوية في العقد الخامس أو السادس من العمر، وشوهد نزف للدماء من رأسه. كانت الجثة ملقاة إلى جانب الأوتوستراد المؤدي من سوق الأحد إلى جامعة الحكمة. وبعد كشف الطبيب الشرعي على الضحية، أفاد بأن الوفاة ناتجة من طلق ناري فوق الأذن، وحدد ساعة الوفاة بين السادسة والسابعة صباحاً. يومها نُقلت الجثة إلى مستشفى بعبدا الحكومي وكُلّفت الأدلة الجنائية رفع الأدلة إن وُجدت. تلك الحادثة كانت الأولى، لكنها سُجّلت ضد مجهول؛ إذ لم يعثر المحققون على أي دليل قد يوصل إلى القاتل. لم تنته المسألة عند هذا الحد؛ فبعد يومين من تاريخ الجريمة الأولى، عُثر على حسين ح. (مواليد 1975) مصاباً بطلق ناري في رأسه أثناء وجوده داخل سيارته من نوع مرسيدس عمومية تحت الجسر في محلة النقاش. نُقل حسين إلى مستشفى أبو جودة، لكنه لم يلبث أن فارق الحياة. وفي 28/10/2011، في محلة البوشرية خلف كنيسة مار مارون، عُثر على جثة شخص مجهول في العقد الخامس من العمر مصابة بطلق ناري في الرأس وطلق آخر في رجله اليسرى. وبجانب الجثة وُجد مظروفان فارغان من عيار 7 ملم. دُوّن في المحضر أن الأسباب مجهولة. وتبين أن الجثة تعود لألبير ن. (52 عاماً) من بلدة النفيسة في عكار. المغدور الذي يعمل حارساً في مبنى إذاعة صوت لبنان في الأشرفية، تعرض للسرقة حيث كان في حوزته أكثر من خمسة آلاف دولار، علماً بأنه كان يعتزم شراء سيارة لاستخدامها في تنقلاته كما ذكر أشقاؤه. وفي فجر اليوم نفسه الذي كان يوم جمعة، عُثر على جثة ثانية تعود للمواطن شاكر ع. (مواليد 1963) في محلة جسر الواطي ـــــ سن الفيل، مصابة بطلق ناري في الرأس. ووجد بالقرب من الجثة مظروف رصاصة مسدس عيار 7 ملم. وذكرت التحقيقات الأولية أن الضحية الذي يعمل سائقاً عمومياً قُتل بعد سلبه سيارته، فيما نقلت الجثة إلى المستشفى اللبناني ـــــ الكندي. وقد عثرت القوى الأمنية على سيارة المغدور وهي من نوع «رينو ـــــ كليو» سوداء رقم لوحتها 407859/م، محترقة بالكامل تحت جسر برج حمود. آخرا الضحايا سقطا منذ يومين؛ فنهار الجمعة الفائت الموافق في 11/11/2011، عُثر على جثة رجل في العقد الخامس من العمر مصاباً بثقب في رأسه ومرمي على الطريق العام في محلة مار مارون ـــــ الدورة بالقرب من شركة سيلزا. وقد تعرّفت سوزان ك. إلى جثة شقيقها هاكوب الذي يعمل سائقاً عمومياً. وتعرفت أيضاً إلى أمتعته الخاصة الموجودة في الفصيلة. وقد عثرت دورية من مكتب معلومات الجديدة على سيارته في محلة سد البوشرية، فيما كلفت الأدلة الجنائية الكشف عليها. وفي اليوم نفسه، عُثر على جثة العريف في الجيش اللبناني زياد د. (مواليد 1981) في محلة سن الفيل قرب جسر الواطي بمحاذاة النهر، مصابة بطلق في الرأس ومرمية على الطريق. وعثرت الأدلة الجنائية على كمية من البودرة البيضاء في جيب العريف، علماً بأنه كان يستقل سيارة من نوع رينو ميغان، وقد سلبه إياها مجهولون.
القاتلان لا يزالان طليقين. الخيوط الموجودة لدى المحققين ليست كافية لتحديد هويتيهما. فهما، في عدد من العمليات، أحرقا السيارة التي سلباها بقصد إخفاء أي دليل يمكن أن يوصل إليهما. وفي هذا السياق، يرجح أحد الأمنيين احتمال أن يكون المشتبه فيهما مراهقين يقلّدان ما قد شاهداه في أحد الأفلام السينمائية.




جاك السفّاح اللبناني

يؤكد مسؤول أمني لـ«الأخبار» أنها المرة الأولى التي يشهد فيها لبنان جرائم يُشتبه في أن فاعلها قاتل متسلسل. فالقاتل المذكور ينتقي ضحاياه وفق معايير محددة، وغالباً ما يكون وحده. وبحسب المسؤول المذكور، «فإن ذلك يجعل من الإمساك به أمراً صعباً للغاية». وأشار المسؤول نفسه إلى أن القاتل المتسلسل نفّذ على الأقل ثلاث جرائم قتل منفصل بعضها عن بعض بأيام، لافتاً إلى أن الدافع ليس كسب المال بالنسبة إليه، بل خلل نفسي يتجلى في متعة يحصّلها من جرائمه وإحساس بالقوة. وعن تاريخ هذه الظاهرة، أكّد المسؤول المذكور أن لبنان لم يشهد مثيلاً لها في تاريخه، لافتاً إلى أن أولى هذه الجرائم ظهرت في بريطانيا مع «جاك السفّاح» الذي كان قاتلاً متسلسلاً اصطاد عشرات الفتيات اللواتي كن يعملن في الدعارة، وقتل خمساً منهن بعد تشويه جثثهن لدوافع لم يتمكن المحققون من تحديدها. من جهة أخرى، ترددت معلومات عن ملامح لهذه الظاهرة أُجهضت منذ نحو عشرين سنة. وأشارت المعلومات إلى بروز قاتل متسلسل قتل أربعة أطباء في لبنان، لكن الرواية المذكورة نفاها أكثر من مسؤول أمني.