بعد نحو 18 شهراً من تقدمها بشكواها، أبلغت نجوى ر. بوجوب مراجعة القضاء المختص لأن النزاع الذي حكمت به محكمة صور الجزائية أخيراً، تبيّن أنه مدني، ما يطرح السؤال: إذا كان الاختصاص في هذه القضية ليس للقضاء الجزائي، فلماذا حوّلت أساساً إليه وكبّدت المدّعية نفقات مادية ومعنوية من دون نتيجة؟

النيابة العامة الاستئنافية في الجنوب كانت قد أحالت الى هذه المحكمة الشكوى المرفوعة من نجوى على هناء (الاسم مستعار) بسبب «إقدامها على الاستيلاء على أموال المدعية من خلال توسل المناورات الاحتيالية». وفي الوقائع، أن نجوى قصدت المدّعى عليها للاستعانة بعاملة بنغلادشية من خلال مكتب استخدام تملكه الأخيرة. وبعد شهر وعشرين يوماً، قررت إعادتها الى المكتب، لعدم توافر المواصفات التي ترغب فيها. وعبر المكتب، تنازلت عن كفالتها لدى الكاتب العدل لمصلحة سيدة أخرى، شرط أن تؤمن لها عاملة أخرى أو أن يعاد المبلغ المالي الذي تكبدته. لكن هناء نقضت
الشرطين.
الشكوى التي رفعتها نجوى أمام النيابة العامة أحيلت الى فصيلة صور للتحقيق. استجوبت المدعى عليها التي أفادت بأن الاتفاق مع المدعية لم يتضمن إعادة العاملة في الأساس. لكنها قبلت بذلك بعد مراجعات نجوى المتكررة، لتفاجأ بأن الأمن العام رفض نقل العاملة من كفالتها الى كفيل آخر. وبما أن هناء لم تتمكن من استخدام العاملة لمصلحة كفيل آخر، لم تجد داعياً لإعادة المبلغ المالي. ولما كانت النيابة قد أحالت المدعى عليها على محكمة الجزاء في صور، ناسبة إليها اقترافها جنحة المادة 655 من قانون العقوبات، قرر القاضي المنفرد الجزائي بلال بدر عدم إدانة المدعى عليها وإبطال التعقبات بحقها لعدم توافر العنصر المادي لجرم الاحتيال. وجاء في حكم بدر أن النزاع يتسم بالطابع المدني ويكون اختصاص النظر في القضية عائداً للمحكمة المدنية.
وإذا كان القاضي الجزائي لا يحيل الملف الى المحكمة المدنية، بل يحفظ حق المدعية بمراجعة القضاء المختص، إذا شاءت هي ذلك، ألم يكن بالإمكان اختصار الوقت على المتنازعين وعلى هيئة القضاء وتوفير النفقات، من خلال إحالة القضية منذ البداية على القضاء المختص؟ وخصوصاً أن على المدعية التقدم بدعوى جديدة أمام القضاء المدني؟ يوضح مصدر حقوقي أن «أغلب الناس وبعض المحامين يرغبون في اللجوء الى القضاء الجزائي، على رغم معرفتهم بأن القضاء المدني هو المختص للفصل في نزاعاتهم». والسبب: السرعة في تتبع عمل القضاء الجزائي والتحقيقات التي يتولاها رجال الضابطة العدلية وإمكانية التوقيف، التي تشكل عاملاً ضاغطاً على الخصم. ويضيف إن بعض النيابات العامة تلجأ في بعض الأحيان الى إحالة الشكوى على الفصائل والمفارز المختصة للتحقيق، على رغم وضوح مدنية النزاع لها. والسبب أملها في إمكانية حل النزاع بين الطرفين في سياق التحقيق الأولي، لتعود وتحفظ الشكوى بعد انتهاء التحقيق وثبوت مدنية النزاع، علماً بأن النيابة لا يمكن أن تدّعي أمام القاضي المنفرد الجزائي، بعد اكتمال التحقيقات وتثبتها من أن النزاع مدني، لأن الأخير سيبطل بالنتيجة التعقبات بحق المدعى عليه. ويكون المدعي في هذه الحالة قد تكبّد عناء نفقات المحاكمة وانتظر حكماً جاء في غير مصلحته، على رغم ثبوت حقه في بعض الأحيان، ثم اضطر الى تقديم دعوى جديدة أمام القضاء
المدني.