لم يكن بإمكان الدولة اللبنانية، قبل عام، أن تصدر كتيّباً صغيراً عن «واجبات القضاة» من دون الدعم الأميركي. آنذاك، لم يكن في الحفل الذي أقيم في معهد الدروس القضائية في الأشرفية شيء أبرز من الحضور الأميركي بصفته التمويلية عبر وكالة USAID. تساءل يومها أحد الحاضرين، همساً، ماذا كان لبنان ليفعل في حال غياب الدعم الأميركي؟ كيف لدولة، تحترم نفسها، أن تكون عاجزة عن إصدار كتيّب لقضاتها من دون تمويل خارجي؟

حكاية الكتيّب نموذج بسيط لمختلف أشكال التمويل الأجنبي، لمشاريع بعضها في غاية البساطة، وباستطاعة أي جمعية خيرية أن تنفذه. خلال السنوات الأخيرة، كثرت هذه المشاريع على نحو لافت، وكان آخرها توقيع «الدليل العملي لتقنيات التحقيق الجزائي» الذي جرى أمس في مركز التدريب في مطار بيروت، بإشراف وتمويل من الاتحاد الأوروبي.
ثمة رجل أمن معني بشؤون التحقيقات، يحلو له أن يسمّي عمليات التمويل هذه «شحادة». لكنه، في المقابل، يرى أنه «لا بد منها لكي نستمر، وإلا فأنا كمحقق كيف لي أن أتدرب وأطور نفسي من دون إمكانات مادية. العتب ليس على الجهة المموّلة التي تستحق الشكر عموماً، وإن كانت تموّل لحسابات خاصة ليست ببعيدة عن السياسة، ولكن العتب على دولتنا التي لا تبادر إلى أي من تلك المشاريع من تلقاء نفسها، إذ تبدو كأنها، بمختلف مؤسساتها، لم تبلغ سن الرشد بعد».
حفل توقيع «الدليل العملي لتقنيات التحقيق الجزائي» حضره النائب العام لدى محكمة التمييز القاضي سعيد ميرزا، والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، وسفيرة الاتحاد الأوروبي أنجلينا أيخهورست، وممثلون لدول الاتحاد الأوروبي. يُذكر أن الدليل الموقع، وهو مشروع العمل، وضعه فريق شاركت فيه السلطة القضائية وقوى الأمن الداخلي، وذلك من ضمن «مشروع الأمن وسيادة القانون» (SAROL) المموّل من الاتحاد الأوروبي.
وبعد عروض عملية، وتخريج عدد من المدربين اللبنانيين الذين تلقّوا تدريبات على تقنيات تدخّل الشرطة، ألقى ميرزا كلمة تحدّث فيها عن «التحديات الكبرى التي نواجهها في عصرنا الحالي، حيث أصبحت الجريمة منظمة وعابرة للحدود، وحيث تطورت التكنولوجيا الرقمية وأمسى المجرمون من أوائل المستفيدين منها. فمن هنا تبرز أهمية النشاط رقم 13 موضوع لقائنا اليوم، والمتمحور حول وضع وثيقة مهنية احترافية عبارة عن دليل للتحقيقات الجزائية». من جهته، أوضح اللواء ريفي أن «المتوقع أن يصبح هذا الدليل أداة عمل يومية قانونية وتقنية وإجرائية في آن، وأن يساعد في عملية تدريب واسعة وشاملة تهدف الى توحيد الممارسات الفنية الخاصة بالمحققين، وتشكل خطوة أساسية باتجاه إجراءات أكثر مراعاة للقانون ولحقوق الدفاع، وتسمح على المدى البعيد بمكننة الإجراءات الجزائية فتسهل مراجعتها من المستخدمين المعتمدين». ولم ينس ريفي أن يوجّه الشكر إلى الاتحاد الأوروبي، الذي «بدأت العلاقة معه منذ عام 2007».
أخيراً، تحدثت السفيرة أيخهورست، معلنة أن «الاتحاد الأوروبي، إلى جانب الشركاء الآخرين، مستعد لمتابعة دعمه للجهود التي بدأتها قوى الأمن الداخلي، نظراً إلى إدراكنا الواقع الذي يمكن أن يتركه هذا الدعم على مستوى أداء قوى الأمن الداخلي ومهنيّتها وشرعيتها في عيون اللبنانيين. وسيوقّع الاتحاد ولبنان في وقت قريب على برنامج لثلاث سنوات، لدعم تطوير النظام الأمني اللبناني بقيمة 12 مليون يورو».