رغم الواقع السياسي والاقتصادي الرديء الذي تعيشه معظم القرى البقاعية النائية، استطاعت بلدة المنارة الخروج من هذه «العدوى» بسلاسة، ومن دون أن تقع في هزّات اجتماعية وسياسية كالتي عاشتها معظم القرى، وخصوصاً بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري؛ فقد تنبهت فاعليات البلدة إلى ضرورة إخراج العمل البلدي من «هذه الدائرة الضيقة»، وذلك من خلال مجلس بلدي توافقي بين جميع الأفرقاء والعائلات. وعلى هذا الأساس كان التوصل إلى مجلس بلدي توافقي من 12 عضواً، نجح بالتزكية، واعتمد في اختياره على الكفاءات العلمية في مختلف المجالات.

لا يتجاوز عد سكان المنارة 3200 نسمة، ولم يمنعها صغر مساحتها بين أخواتها في منطقة البقاع الغربي، من أن تكون ركيزة المنطقة التعليمية، في مدارسها الرسمية الثلاثة بعدما أثبتت خلال السنوات الفائتة نجاحاً فاق المدارس الخاصة الموجودة.
يرى رئيس بلديتها د. حسن أيوب، أن أساس نجاح العمل البلدي يعتمد على ابتعاد الرئيس عن عقلية الاستئثار والتشبث بالرأي. يقول: «أهمية العمل البلدي هي في إشراك جميع الأعضاء والمهتمين بالعمل المجتمعي، ومديري المدارس في تكوين الخطط الإنمائية». ويعيد أيوب نشاط البلدية وحضورها المتميز، إلى «أننا لا ننظر فقط إلى الأمور الإنمائية، بل إلى الواقع المعيشي لأبناء البلدة. ومن خلال هذه الرؤية استطعنا أن ندير مولدات الكهرباء في البلدة، حتى لم يبق بيت واحد من دون إنارة، واستطعنا بهذه السياسة أن نؤمن الكهرباء بنحو متواصل لمضخة بئر مياه الشفة التي تتغذى منها البلدة، وأوجدنا حلاً لمشكلة انقطاع المياه بسبب التقنين القاسي». ويرى أن أحد أهم أسباب نجاح العمل البلدي «تنشيط عمل اللجان الاختصاصية؛ لأن معظم أعضاء البلدية متعلمون وأصحاب إجازات». هذه اللجان كان لها دور كبير في قيام عدة مشاريع من تشجير مثمر، وتشجير محمية جديدة في منطقة «الحريث»، وإنشاء جدران دعم عديدة وأساسية، وخصوصاً أن البلدة جبلية، فضلاً عن النشاطات التكريمية للمعلمين المتقاعدين، وقوى الأمن الداخلي، وتكريس كرمس سنوي، لما لهذه النشاطات من أهمية في التواصل الاجتماعي بين فئة الشباب من جميع الأفرقاء السياسيين داخل البلدة.
وعن مشاريع البلدية، أشار أيوب إلى أن البلدية تقوم كلّ فترة سنتين أو ثلاث بعملية «تشحيل» للأشجار الحرجية القائمة في محمية البلدة، وبيعها بسعر الكلفة لأبناء البلدة الذين يعتمدون بالتدفئة في الشتاء على الحطب. «حتى نمنع عمليات القطع العشوائي للأشجار، التي يقوم بها الحطابون في العديد من المناطق». كذلك تنظّم البلدية دوريات لمنع صيد الحجل والأرانب في خراج البلدة، وخصوصاً في المحمية الواقعة من الجهة الشمالية الشرقية، ولا سيما بعدما تبيّن «نتيجة التدقيق والتحقيق أن طيور الحجل والأرانب البرية تتعرض للصيد، ما يهدّد بانقراضها».
وعن المشاكل التي تواجه البلدية، يشير أيوب إلى اثنتين تقضان مضاجع الأهالي والبلدية: الأولى هي ما يعرف بمشكلة نفايات «المنارة، والسلطان يعقوب» التي تسبب إزعاجاً للأهالي، من عمليات الحرق للمكبين المتقاربان. «وحلاً لمشاكل نفايات المنطقة، قدمنا قطعة أرض مساحتها 10 دونمات، بغية إنشاء معمل فرز نفايات 12 قرية من قرى البقاع الغربي المنضوية باتحاد بلديات السهل».
أما المشكلة الثانية، التي تعدّ الأكثر إلحاحاً، فهي مشكلة الصرف الصحي، وتشغيل محطة التكرير المنشأة في جب جنين، وجميع إمدادات الشبكة جاهزة بانتظار تشغيل المحطة؛ إذ إن الصرف الصحي للبلدة يصبّ في معظمه في «جور صحية» منشأة تحت الأرض، ما يفرض على الأهالي إفراغها دورياً، «وهذا يكبدهم كلفة طائلة؛ إذ تراوح كلفة النقلة بين 100 و150 ألف ليرة، فضلاً عن تسرّب البعض منها، ما يسبب تلوثاً وروائح كريهة. «لذلك، نفحص المياه دورياً كل ثلاثة أشهر خوفاً من تلوثها نتيجة تسرب المياه الآسنة إليها».