قبل شهر، وبشكل عاجل جداً، أصدر وزير الداخلية والبلديات، مروان شربل، تعميماً طلب بموجبه الى عناصر الشرطة البلدية التشدد بتأمين الحراسة الليلية أمام الصيدليات الواقعة في نطاق عملهم. تعميم أثار النقاش مجدداً لناحية إثقالهم بالمسؤوليات من جهة، والعوامل التي تعرقل تنفيذ مهماتهم الأصلية من جهة أخرى. فهل تقود البلديات انتفاضة الشرطة؟

المكان: شارع أبو ديب الرئيسي في صور.
الزمان: منتصف يوم عمل عادي.
الواقعة: ضرب شرطي بلدي.
السبب: تحرير ضبط مخالفة سير بحق أحد المواطنين الذي ركن سيارته في وسط الشارع المكتظ بالاتجاهين. فقد استشاط المواطن غضباً من الضبط المعلّق على زجاج سيارته الأمامي، وراح يبحث عن الشرطي الذي حرّره ... لا ليدفع قيمته، بل ليضربه. وبالفعل، «وقع» الشرطي في قبضة المخالِف الذي «فوجئ» بإصرار الشرطي على أحقية الإجراء الذي اتخذه بموجب صلاحياته الممنوحة له، عملاً بقانون البلديات من جهة، وبسبب فداحة ما ارتكبه الأخير، إذ إنه تسبّب بزحمة سير وعطّل حركة المرور لأكثر من ساعة في وقت الذروة. وعندما رفض الشرطي الانصياع لأوامر المواطن، فما كان من الأخير إلا أن هاجمه واعتدى عليه بالضرب وسط الجموع من دون رادع.
العقاب الذي تلقاه الشرطي، مشهد انطبع في أذهان المواطنين. وكان يمكن لتتمة القصة أن تمحو هذا المشهد، عندما لجأ الشرطي إلى القانون وتقدّم بشكوى ضد المواطن. لكن، عوض أن يردّ القانون للشرطي جميل ولائه له، سُحب الضبط والشكوى، وراح المواطن في حال سبيله بعد ورود اتصالات من مسؤولين ونافذين «تأمل» تسوية القضية. فما هي آثار تلك الحادثة غير الفريدة والوحيدة من نوعها في صور وسواها، على الشرطي هذا وزملائه؟ وخصوصاً أن التقرير الذي ورد عن وقائعها وصف ما حصل بـ«تضارب بين أحد المواطنين وأحد الشرطيين»، ما يوحي بأنه خلاف بين شخصين لأسباب شخصية وليس دفاعاً عن النفس من قبل الشرطي ضد اعتداء المواطن عليه وعلى القانون. وعليه، ما الذي يمنع في بعض الحوادث من توقيف الشرطي بدلاً من المواطن؟
وبالنظر الى ظروف الشرطي هذا، نكتشف أنه متعاقد مع البلدية، وليس جزءاً من طاقمها الوظيفي الدائم الذي التحق بها بموجب مباريات مجلس الخدمة المدنية. والعقد هنا ليس سنوياً، بل دوري، لا تتعدى مدته ثلاثة أشهر قابلة للتجديد. أجره وحقوقه الوظيفية تجعل منه أشبه بأجير مياوم. فهو يتقاضى الحد الأدنى من رواتب زملائه من موظفي البلدية، ومنهم عناصر الشرطة الدائمون، بحيث لا يتجاوز أجره 640 ألف ليرة شهرياً. هذا المبلغ القليل، نسبة إلى المهمات الموكلة إليه وما يحدق بها من أخطار، «خالٍ» تماماً من أي إضافات أخرى كبدل النقل والضمان الاجتماعي أو التأمين الصحي أو المساعدات، الأمر الذي دفع بالشرطي إلى الاتفاق مع البلدية على دوام محدد، يمكّنه من مزاولة عمل إضافي من بعده، فيما يفتح الباب لدى آخرين بقبول الرشوة و«الإكراميات» كنوع من المقايضة مع المخالفين. وإذا كان هذا الشرطي قد ضرب بسبب تحريره ضبط سير، فإن استعراض المهمات المطلوبة منه في قانون البلديات قد يعرّضه لأكثر من ذلك، ما يجعل الكثير من زملائه يعزفون عن تنفيذها طالما أن النتيجة قد لا تكون لمصلحتهم. عمل الشرطي مرتبط بتنفيذ توصيات رئيس البلدية بحسب المادة 74، التي ينص أحد بنودها أيضاً على أن الشرطة البلدية «تتمتع بصفة الضابطة العدلية، ولها أن تطلب مؤازرة قوى الأمن الداخلي وأن تباشر التحقيقات اللازمة»، إضافة إلى المادة 85 التي تعطي الحق لهم بمراقبة تنفيذ القوانين والأنظمة وضبط المخالفات. من هنا، يدخل في مهمات الشرطي «اتخاذ التدابير لمكافحة السكر والمخدرات والمجانين الذين يهددون الآداب أو سلامة الأشخاص وهدم المباني المتداعية وحماية الأملاك البلدية وتنظيم رخص البناء والسكن والمحافظة على الراحة والسلامة والصحة العامة وما يتعلق بتأمين السير وتسهيل التجول في الشوارع والنظافة والإنارة ومنع ما يمس بالراحة والسلامة والصحة العامة ومراقبة الفنادق والمطاعم وحوانيت اللحامين والسمّانين والحلاقين والوقاية من الحريق وتنظيم الإعلانات واستهلاك المياه وحماية الآداب والحشمة العمومية والبيئة ...».
هذا في النصوص، ماذا عن الواقع؟ يؤكد رئيس اتحاد بلديات ساحل الزهراني علي مطر أن الكثير من عناصر الشرطة البلدية ينشطون في تنظيم السير خلال المناسبات، ويرافقون رئيس البلدية في مشاويره. وفيما يتقاعس الكثيرون عن تنفيذ مهماتهم الأصلية، يطلب الى آخرين مهمات إضافية مثل إيصال البريد والمراسلات والقيام بأعمال إدارية وتنفيذ الجباية. لكن في معظم الأحيان، يبقى الأمن البلدي على أنواعه مشرعاً، وخصوصاً في ظل النقص في عديد القوى الأمنية في المناطق.
من هنا، ولاستعادة هيبة الشرطة البلدية ودورها المفقود، قرر الاتحاد إطلاق «انتفاضة» الشرطة البلدية، وصولاً إلى تحقيق الأمن وتنفيذ القانون. في اجتماعهم أول من أمس، ناقش أعضاء الاتحاد سلسلة إجراءات سيطلب من الشرطة تنفيذها وذلك بقمع الدراجات النارية وضبط حركة المقاهي (كافيه الإنترنت والنراجيل). إلا أن مطر يقرّ بأن الشرطي نفسه لن يجرؤ على تنفيذ ما طلب منه «لشعوره بأن ظهره غير محمي». وهنا، يشير إلى ثقافة «المَوْنة» التي تحكم عمل البلديات. حادثة تعرض شرطي للضرب من قبل أحد أبناء البلدة أثناء تأدية عمله التي تتكرر، غالباً ما تنتهي بإجباره على إسقاط حقه الشخصي «لكي لا يسبب شرخاً بين الأهالي أو خوفاً من الانتقام». الحل برأيه، يكمن في «الحزم في فرض القوانين على المواطنين لكي يعتادوا على احترامها واحترام الشرطي». ومن الإجراءات المزمع تنفيذها تطبيق مبدأ التشارك بالشرطة، أي أن تتشارك بلدتان صغيرتان أو أكثر بفريق شرطة واحد بسبب عدم قدرة كل منهما على بالاستعانة بشرطي على حدة. لكن الفكرة التي يأمل مطر تطبيقها، هي «تبادل الشرطة»، أي أن تتبادل البلدات شرطييها، بحيث يعفى الشرطي من إحراج القرابة أو الجيرة وينفذ القانون بحرية وموضوعية.
يريد اتحاد بلديات ساحل الزهراني تفعيل دور الشرطة، وهو لا يملك عنصراً واحداً منها، لا لتنفيذ الدوريات ولا لحراسة مقرّه أو دعم البلديات الصغيرة. والسبب بطء الإجراءات الإدارية التي تعرقل التعاقد مع الشرطيين المؤقتين الذين يتطلب تجديد عقدهم كلّ ثلاثة أشهر. أما بالنسبة إلى توظيف عناصر شرطة ثابتين، فالأمر منوط بإقرار النظام الداخلي للاتحاد وللكثير من البلدات الأخرى، ما يسمح لها بفتح باب التوظيف.
عناصر الشرطة الدائمون يحظون بدورات تدريبية لتنمية مهاراتهم وقدراتهم من قبل قوى الأمن الداخلي، بالتعاون مع وزارة الداخلية والبلديات. وهم يخضعون للتدريب والتأهيل قبل وضعهم في الخدمة التي تستلزم تسليحهم بمسدس يؤمن لهم الحماية والدفاع عن النفس، إذا ما اقتضى الأمر.




اليوم ... عطلة

بين شوارع مدينة صور، يمكنك أن تجد شرطياً لا يفارق نقطة خدمته في تنظيم السير في يوم عاصف، في الوقت الذي تتضارب فيه حركة السير عند أحد التقاطعات في يوم خريفي مشمس، بسبب أخذ الشرطي قسطاً من الراحة في إحدى الزوايا، قسط من الراحة قد يمتد لساعات. ذلك أن أيام العطل تطاول أيضاً عدداً كبيراً من رجال الشرطة، كأن الحوادث والإشكالات والتجاوزات تلتزم بالعطل! قد لا يبدو هذا الأمر لافتاً إذا تذكرنا أن عدداً من عناصر الشرطة تلتبس عليهم مهماتهم التي ينصّ عليها القانون، ما يجعلهم يعتقدون بأنهم يعملون رجال حراسة (بادي غارد) لدى رؤساء البلديات، أو أنهم باتوا عناصر في أجهزة أمنية.