لم تنجح بلدية ذوق مصبح طويلاً في إيقاف أعمال بناء معمل الباطون في منطقة أدونيس. قرار قائمقام كسروان بالإنابة، جوزف منصور، الأخير، بالحلول محلّ رئيس البلدية شربل مرعب في الترخيص لمؤسسة رشيد الخازن للتعهدات بالبناء، أعاد العمّال إلى مواقعهم. وها هي منشآت المعمل ترتفع اليوم، بعد نحو أسبوعين فقط على صدور القرار. العمّال المجدّون في العمل متيقظون أيضاً لكلّ حركة تدور من حولهم، وكانوا حرصاء على منع التقاط صور لأعمال البناء، ولم يترددوا في ممارسة دور السلطة، والمطالبة برؤية ما خزّنته الكاميرا في ذاكرتها من صور التقطت لهم، ولم يجدوها.

سلوك غريب، إذا كان العمّال يبنون فعلاً «بناءً» عادياً، كما تفيد الرخصة التي حصلت عليها مؤسسة رشيد الخازن من القائمقام. أو كما يبرّر بأن الرخصة خرجت به. لكن ردة الفعل العدائية توحي بأن ما يجري العمل عليه أمر غير مرغوب فيه، هنا في هذه المنطقة السكنية التي يرفض غالبية أهلها إقامة جبّالة فيها. وهم كانوا قد وقّعوا أكثر من عريضة تؤكد مطلبهم، وتدعم قرار البلدية في إصرارها على قرار رفض الترخيص بإنشاء الجبّالة. بل إن اللافتات الرافضة لتحويل ذوق مصبح إلى «شكا ثانية» لا تزال مرفوعة في الشوارع، رغم أن حركة الاحتجاج الأوسع على هذا الموضوع تعود إلى شهر أيلول الفائت.
«جبّالة الخازن» هي الكابوس التي يقضّ مضجع ذوق مصبح منذ حزيران 2010 تقريباً؛ فمع تسلّم رئيس البلدية شربل مرعب لمهماته، وجد هذا الملف على مكتبه، ومنذ ذلك التاريخ بدأت «المواجهة» التي اتخذت أشكالاً مختلفة، بين تهديد ووعيد، تهجّم على مبنى البلدية، احتجاجات شعبية، ندوات، عرائض، مراجعات قانونية... لينتهي الأمر بسحب صلاحية اتخاذ قرار الترخيص من «الريّس»، وتحويله إلى القائمقام.

قرار القائمقام

فقد أصدر الأخير، في 24 تشرين الأول 2011، قراراً يقضي بـ«الحلول محل رئيس بلدية ذوق مصبح والترخيص لمؤسسة رشيد الخازن للتعهدات بإعطاء ترخيص ببناء بلوك B، C، مؤلف من طابق سفلي وأرضي وفقاً للخرائط المرفقة مع ترميم البلوك A وهدم منشآت موجودة على العقار رقم 1482 ذوق مصبح، وذلك لمدة ست سنوات ابتداءً من تاريخه ولغاية 24/11/2017 استناداً إلى الحيثيات الواردة في متن هذا القرار».
وعلّل القائمقام قراره بمواد قانونية ومراسيم، أبرزها المادة 135 من قانون البلديات التي تنصّ على ما يأتي:
«إذا تمنّع المجلس البلدي أو رئيسه عن القيام بعمل من الأعمال التي توجبها القوانين والأنظمة، للقائمقام أن يوجه إلى المجلس البلدي أو إلى رئيسه أمراً خطياً بوجوب التنفيذ خلال مهلة تعيّن في هذا الأمر الخطي، فإذا انقضت المهلة من دون التنفيذ، حق للقائمقام بعد موافقة المحافظ أن يقوم بنفسه بذلك بموجب قرار معلّل». ويرى القائمقام أن المجلس البلدي تمنّع عن إعطاء رخصة البناء لمؤسسة رشيد الخازن للتعهدات رغم «القرار رقم 3098 أ.ت تاريخ 17/2/2011 الصادر عن وزير الصناعة لإنشاء معمل باطون جاهز، والموافقة الفنية على الخرائط الصادرة عن قسم التنظيم المدني في كسروان برقم 266/أ تاريخ 2/6/2011، والمرفق بالكشف الفني المبيّن فيه الرسوم المتوجبة والتأكيد عليه رقم 266/أ وخلافه تاريخ 28/9/2011».

البلدية لم تتمنّع

المجلس البلدي في ذوق مصبح استغرب هذا القرار، وتقدّم بطلب وقف تنفيذ لدى مجلس شورى الدولة، الذي ردّه. علماً بأن المحيطين بالبلدية يكشفون عن أكثر من «مخالفة قانونية» في القرار، ويعدّدون مخالفات للمواد 135 و44 و74 من قانون البلديات، والمادة 107 من أصول المحاسبة في البلديات، والمادة الأولى، الرابعة، الخامسة والثالثة والعشرين من قانون البناء.
ومن أبرز الدفوع التي يتمسّك بها المجلس البلدي، التأكيد أنه لم يتقاعس عن القيام بمهماته، وكان دائماً يرد على طلبات القائمقام بأسباب معلّلة. يشرح لنا متابعون للملف: «يتبيّن من نص المادة 135 أنه لا يمكن أن تمارس سلطة الإحلال مضمون هذه المادة إلا إذا تمنّع رئيس البلدية عن القيام بعمل يوجبه القانون القيام به، أما إذا كان هذا العمل محدداً وفقاً لأصول قانونية، وقد قام رئيس البلدية بمراعاة هذه الأصول وبالرفض بقرار قانوني معلّل، فإنه لا يمكن بعدها سلطة الوصاية أن تحل محل رئيس البلدية. كذلك إن القرارات التي يتخذها رئيس البلدية هي قرارات نافذة، وتخضع للطعن بها أمام مجلس شورى الدولة، وبالتالي لا يمكن سلطة الحلول في كل مرة يتخذ المجلس البلدي أو رئيسه قرارات داخلة ضمن اختصاصهما، أن تحل محلهما وتتخذ قراراً مخالفاً... كذلك خالف القائمقام أحكام المادة 135 المذكورة أيضاً من خلال عدم تسجيل القرار المطعون فيه في سجل القرارات المنصوص عليه في المادة 44 من هذا المرسوم الاشتراعي، بل إنه سجله في سجلات القائمقامية!».
طبعاً، يعي الطرفان أن القصة، وإن ارتدت ثياب القانون، تبقى سياسية بالدرجة الأولى. وإلا، فإن القانون يعطي القائمقام «الحق» في الحلول مكان رئيس البلدية، لكنه لا يجبره على ذلك، يقول مرعب. وبالتالي كان يمكنه عدم الحلول مكانه والتزام ما قرره المجلس البلدي مجتمعاً بناءً على الكشف الفني الذي أجرته البلدية. برأيه، ما حصل هو «معركة وليس كل الحرب. القائمقام تعرّض لضغوط وخالف القانون، وروّح مصاري على البلدية من خلال هذا القرار. بالنسبة إلينا، نحن سنتابع معركتنا في مجلس شورى الدولة، وقد نكون مضطرين إلى النزول إلى الشارع لمنع إقامة جبّالة في المنطقة».
مصادر مقرّبة من القائمقام ترفض هذه الاتهامات. هي لا تدافع عن قرار إنشاء جبّالة، لكنها في المقابل تتساءل عن سبب شنّ الهجوم على القائمقام الذي يعدّ الحلقة الأضعف في هذا الملف بعدما رخّصت وزارة الصناعة للمعمل، وبعدما وافق المحافظ؛ لأن قرار الحلول لا يُتَّخذ من دون موافقة محافظ. تقول المصادر: «كل القرارات الأساسية أتت من فوق، والآن يريدون أن يرموا المسؤولية على الحلقة الأضعف، وهم يعرفون أن الموضوع سياسي وليس قضائياً». وبالعودة إلى القرار، تلفت المصادر إلى إمكان الطعن به أمام مجلس شورى الدولة «علماً بأن القائمقام لم يحلّ مكان رئيس البلدية في منح رخصة إنشاء مجبل باطون، بل رخصة بناء وافقت عليها دائرة التنظم المدني». لا تنسى هذه المصادر أن تختم: «ليتهم ينجحون في منع إقامة الجبّالة»!




الأهالي جاهزون للتحرّك

بالحفاوة، وبالصلوات، يستقبل أهالي ذوق مصبح الإعلام. «الله يوفقكم، الله يقويكم» يقولون وكلّهم أمل في أن تنجح إثارة الموضوع إعلامياً في منع إقامة جبّالة باطون في هذه المنطقة الصناعية أصلاً، والمكتظة، التي لا تنقصها إقامة جبّالة إضافية فيها.
لا خلفيات سياسية تقف خلف تضامن غالبية الأهالي مع رئيس بلديتهم، بقدر ما هو وعي لخطر هذه الجبّالة على مصلحتهم العامة، والخاصة أيضاً. ويعطي أحد المواطنين مثلاً، بالإشارة إلى الضرر الاقتصادي الذي تسببه إقامة جبّالة «كلّ أسعار العقارات في المنطقة ستنخفض، ونحن بنينا واشترينا بأسعار مرتفعة». وكما شارك الأهالي في تحرّكات شعبية سابقة، هم اليوم مستعدون للمشاركة في ذلك.