اشترى قاضٍ، لا يتجاوز راتبه الشهري ثلاثة ملايين ليرة، شقّة فخمة بمبلغ مليون ونصف مليون دولار في إحدى أرقى مناطق العاصمة. زميل له، يحب «الجخّ»، يصل سعر بذلته من إحدى «الماركات» العالمية إلى أكثر من ثلاثة آلاف دولار، فضلاً عن «الأكسسوارات»، كساعة «الرولكس» التي أهداه إياها أحد المتقاضين في قضية ينظر فيها، والسيارة الفخمة التي يتجاوز ثمنها خمسين ألف دولار. قاض ثالث احتفل بعيد ميلاد ابنته، التي لا تتجاوز العاشرة، في أحد أرقى فنادق العاصمة. رابع زوّر وصفات طبية وقدمها إلى صندوق تعاضد القضاة. خامس عُزل خلال العام الماضي، في سابقة في تاريخ العدلية، بسبب تلقيه رشوة بقيمة 200 ألف دولار من أحد المتقاضين. وللتهرب من التهمة، أطلق النار على قدمه... سادس... سابع... إلخ.


في رئاسة قلم إحدى المحاكم «يُكرم» محامون أحد الموظفين لتحويل ملفات دعاوى وُكّلوا فيها إلى قاضٍ معيّن لأنه «بالجيبة»، ولأنهم بذلك يضمنون الحكم لمصلحتهم مقابل «تسعيرة» تتجاوز في بعض الأحيان 15 ألف دولار، بحسب دسامة الملف و«كرم» الموكّل.
ولأن «فرخ البطّ عوّام»، يتسابق بعض أصحاب الدعاوى على أبناء قضاة ممن درسوا الحقوق وتدرّجوا في مهنة المحاماة؛ لا لأن لهم صولات وجولات في قاعات المحاكم، بل، ببساطة، كرمى لعيون آبائهم الذين «يعرفون من أين تؤكل الكتف».
المشاهد تتعدد، حالها كحال الروايات التي تكثر الألسن التي تتناقلها. قضاة ومحامون وموظفون في العدلية يعدّدون أسماء قضاة راكموا ثروات لم يرثوها. المتّهمون قد لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين الاثنتين، ولا يمثّلون عدداً كبيراً نسبة إلى 500 قاض هم مجموع قضاة لبنان ممن يبذلون أكثر مما تحتمله طاقاتهم أحياناً. إلا أنه في مؤسسة يرتكز عملها أساساً على البقاء فوق الشبهات، فإن وجود أشخاص كهؤلاء يسيء إلى الجسم برمّته، ويعني أن «جسم القضاء ليس بخير، وأن سير العدالة مهدد». العبارة ليست شعاراً، بل تعكس واقعاً يشكو فيه عدد كبير من القضاة «التشويه الذي ينخر جسم القضاء بسبب الشوائب التي تعتريه»، و«انغماس قضاة في الفساد حتى العظم».
الشكاوى لا تنحصر في الفساد والرشى ووضع «لائحة أسعار» لبعض القضاة، وفي «عدم الأهلية الأخلاقية والمسلكية»، بل تنسحب على وجود قضاة «غير أسوياء عقلياً» أو «على البركة»، كما يصفهم زملاء لهم! رغم ذلك، يستمر هؤلاء في عملهم، بصرف النظر عما يرتبه ذلك من ضرر معنوي كبير يطاول جميع القضاة، وهو ما يستلزم، بحسب بعض القضاة المتابعين، تحرّكاً عاجلاً؛ لأن «المسألة تطاولنا، جميعاً، في الصميم، وما يجري يؤثر سلباً على الجسم القضائي عموماً»، وهو ما يعني أن إصلاح سلك القضاء بات أمراً ملحّاً وذا أولوية قصوى.
انطلاقاً من ذلك، تشهد العدلية بوادر حراك لم يألفه الجسم القضائي، ويرى فيه المتفائلون بشائر «ربيع قضائي» بعدما تحولت المهنة ــــ الرسالة، لدى بعض القضاة، «مصدراً للبزنس والكوميسيون». وتتجلى ملامح هذا التحرك في أربعة مسارات تتفق في منطلقاتها، وإن كانت تختلف في وسائلها وأولوياتها:
المسار الأول: «حراك» قضائي لم تألفه العدلية سابقاً؛ إذ التقى عدد من القضاة أخيراً لبحث سبل «تطهير الجسم من الفساد»؛ لأن «القاضي الفاسد يسيء إلينا قبل أن يسيء إلى نفسه»، ولأن «إصلاح القضاء لا يكون إلّا من داخله». التحرّك كان «سريّاً» في بداياته، واقتصر على أسماء محددة اختيرت بعناية «حرصاً على عدم تسييس التحرك وإضاعة بوصلته»، لكن عدد المعنيين به وصل إلى نحو 40 التقى وفد منهم رئيس هيئة التفتيش القضائي أكرم بعاصيري للبحث في سبل الإصلاح.
أحد المشاركين الفاعلين في هذا الحراك يؤكد أن «التحرّك فيه ليس موجّهاً ضد أحد»، لكنه يهدف إلى «إحداث صدمة ما على مستوى القضاة لإيجاد نقلة نوعية»، وللدفع باتجاه وضع إصلاح الجسم على نار حامية بعدما بلغ تردي الأمور حداً لا يطاق. وهو إذ يؤكد أن القضاة المعنيين مصممون على السير قدماً في هذا التحرك، إلا أنه يلفت إلى أن تحركاً كهذا لن يصل إلى الشارع؛ «لأن الاعتصام والتظاهر شأن خاص بالموظفين، لا القضاة أصحاب السلطة». القائمون على هذا الحراك يصرون على إبعاده عن السياسة، وهو ما أثار نفوراً لدى زملاء لهم رأوا أن الرأي السياسي للقاضي لا يتعارض بالضرورة مع مهنيته ونظافة كفه، وأن القائمين على هذا التحرك ضيّعوا فرصة إيجاد إطار جامع يضم كافة الأطياف بهدف ضمان وحدة صف القضاة.
المسار الثاني، بروز دعوات إلى تحقيق «الاستقلالية الفعلية» للقضاء. ويسأل أصحاب هذه الدعوات: كيف تمكن محاسبة قاضٍ لم توَفَّر له الاستقلالية يوماً، في بلد تمثّل التبعية للسلطة السياسية وللسياسيين فيه ضمانة للأمان الوظيفي، مع ما يستتبعه ذلك من خضوع القاضي لمن يحميه؟ يقرّ هؤلاء بأن «مخالفات كثيرة، مسلكية وأخلاقية، يرتكبها من دون التعرض لأي ملاحقة لهم؛ لكونهم مدعومين سياسياً من جهات حزبية نافذة، فيما لا يلاحق إلا القضاة الذين لا حول لهم ولا قوة من الناحية السياسية». ويردفون: «هذا لا يعني عدم وجوب معاقبة المخالفين، لكن في المقابل، يجب معاقبة جميع المخالفين انطلاقاً من مبدأ المساواة، لكي لا يتسلح البعض بذلك لرفض العقوبة وعدّها ظلماً». انطلاقاً من ذلك، يرى أصحاب هذا الرأي أن الحل يُفترض أن يكون جذرياً، «وهو يبدأ من توفير الاستقلالية للقاضي شرطاً أساسياً لتحقيق الإصلاح. أما إذا استُبقت الاستقلالية بالتطهير، فإن الإصلاح لن يتحقق وسيكون مجحفاً وظالماً بحق من يطاوله». ويرفع هؤلاء شعار «إذا كان العدل أساس الملك، فإن استقلال القضاء هو أساس العدل».
وتعزيز استقلالية السلطة القضائية، بحسب هؤلاء، يكون بالتعامل معها على أنها سلطة قائمة بذاتها، لا هيئة تابعة للسلطة السياسية، عبر إعطاء القضاة حق انتخاب أعضاء مجلس القضاء الأعلى من بين القضاة الأكثر كفاءة وتجرّداً ونزاهة، بعيداً عن المحسوبيات والولاءات السياسية. وإذا ما طُبّق ذلك، ينهي القضاة بأيديهم «مأساة شغور منصب رئيس مجلس القضاء الأعلى التي تنتظر دائماً توافق المراجع السياسية»، علماً بأن تأخّر تعيين رئيس مجلس القضاء هذه المرة أدى إلى بدء السنة القضائية من دون افتتاحها كما كان يجري في كل عام بحضور رؤساء الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة. أما في حال تعذّر ذلك، فيطالب هؤلاء بـ«إلغاء استئثار مجلس القضاء الأعلى بالسلطة المهيمنة على الجسم عبر إنشاء هيئة موازية ينتخبها القضاة، تخلق توازناً يحمي القاضي في وجه سطوة مجلس القضاء الأعلى، فتضمن حرية المنتسبين إليها واستقلالهم وتحول دون الكيدية في التعاطي، التي وقع ضحيتها عدد من القضاة الشرفاء».
المسار الثالث، دعوات الى تفعيل المادة 95 من قانون تنظيم القضاء العدلي التي تجيز لمجلس القضاء أن «يقرر في أي وقت عدم أهلية القاضي الأصيل بقرار معلّل يصدر بناءً على اقتراح هيئة التفتيش القضائي وبعد الاستماع إلى القاضي المعني بأكثرية ثمانية من أعضائه». ويرى مؤيدو تفعيل هذه المادة أنها تسمح بالبدء بتنقية الشوائب المتمثلة في «قضاة قاموا بارتكابات تدل على نقص أخلاقي وعقلي».
المسار الرابع، إصدار المجلس التأديبي، المؤلف من القضاة سهير حركة وأيمن عويدات وسهيل عبود، قرارات تأديبية بحق ستة قضاة من بينها قرار بطرد قاض على خلفية تزويره حكماً يتعلق بانتخابات بلدية، وقرارات قضت بإنقاص درجات قضاة، فضلاً عن توجيه إنذار إلى أحد القضاة. علماً بأن قرارات المجلس التأديبي غير نهائية؛ إذ إن القاضي الذي صدر قرار بصرفه من الخدمة تقدم باستئناف، وترجح مصادر قضائية أن ينتهي الأمر باستبدال عقوبة الصرف بأخرى أقل شدّة لضمان بقائه في سلك القضاء.
مسؤول قضائي مطلع أكد أن قرارات المجلس التأديبي «لا تتعلق كلها بقضايا فساد، فثمة عقوبات صدرت بسبب البطء في إصدار الأحكام أو ما يمكن تسميته ضعف الهمة في العمل». وأوضح أن القرارات لم تصدر في كل القضايا المحالة على المجلس، إذ «ثمة قضايا محالة ما زالت قيد الدرس، ويمكن أن تصدر القرارات فيها قريباً».
وعلمت «الأخبار» أن أحد القرارات الصادرة أخيراً في حق أحد القضاة «سببه تعرّضه لضائقة مالية، ما دفعه إلى استدانة مبلغ من المال عجز عن تسديده، فما كان من المدين إلا أن اشتكى عليه أمام القضاء». وقد عدّت هيئة التفتيش القضائي هذا الأمر «فعلاً يسيء إلى صورة القضاة».
وسط تعدد الآراء، يجمع القضاة على أن الإصلاح القضائي بات أكثر من ضرورة. أحلام بعضهم «تشطح» إلى أن الوضع الحالي بات بحاجة إلى حملة «أياد نظيفة» تيمناً بالحملة التي قادها القاضي الإيطالي أنطونيو ديل بيترو، في تسعينيات القرن الماضي، وأدّت إلى استقلالية تامة للقضاء الإيطالي عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، فبات مجلس القضاء الأعلى ينتخب من القضاة بكامل أعضائه، ولم يعد قضاة النيابة العامة يرتبطون تسلسلياً بوزير العدل ولا يخضعون لسلطة المدعي العام، بل يتمتعون بالاستقلالية نفسها التي يتمتع بها قضاة الحكم، وهذا ما مكّن القضاء الإيطالي من مواجهة أشرس عصابات المافيا ومن دكّ حصون الفساد في السلطة السياسية عبر ما عرف بحملة «الأيادي النظيفة»، فهل يأتي الترياق من... الطليان؟




أيها القاضي.. من أين لك هذا؟


يؤكد أحد القضاة أن الحد من الفساد في السلك القضائي ليس أمراً مستحيلاً. ويشير في حديث الى «الأخبار» إلى أنه «يمكن فضح التجاوزات لجهة قبض الرشى عبر طلب كشف ملكية مفاجئ من كل قاض يثير الريبة». ويلفت إلى أنه يمكن تحديد الأملاك التي يملكها القاضي عند دخوله إلى سلك القضاء، مقدمةً لحصر المكتسبات التي قد يكون حصّلها خلال وجوده في الخدمة الفعلية. وذلك يكون بمثابة القاعدة التي يُرجع إليها في أي وقت، لمقارنتها بعد مرور سنين على وجوده في الخدمة، بحيث تُستخدم لسؤاله: من أين لك هذا؟ كما يشير القاضي المذكور إلى أن «قانون الإثراء غير المشروع الذي لم يُقرّ بنية مقصودة»، كان يمكن أن يؤدي دوراً فاعلاً في هذا المضمار.
ويلفت القاضي نفسه إلى أن «قانون السرية المصرفية لا يُطبّق عند تطبيق قانون الإثراء غير المشروع»، مشيراً إلى أنه «يمكن طلب إفادة نفي ملكية لأي كان من القضاة، لمعرفة كيف حصل على ماله وأملاكه».
من ناحية أخرى، يذكر مصدر قضائي أن ثمة مخالفات كثيرة ترتكب من قبل قضاة، منها مسلكية ومنها ما يتعلق بالعمل، ولكن مع ذلك «لا تحصل أي ملاحقة لهم، وذلك بسبب كونهم مدعومين سياسياً من جهات حزبية نافذة، فيما لا يلاحق إلا القضاة الذين لا حول لهم ولا قوة من هذه الناحية».
ويردف المصدر أن هذا «لا يعني عدم وجوب معاقبة المخالفين، ولكن، في المقابل، يجب معاقبة جميع المخالفين انطلاقاً من مبدأ المساواة، لكي لا يتسلح البعض بذلك لرفض العقوبة وعدّها ظلماً».



تحت المجهر:

المادة 95: مؤيّدون ومعارضون



تنقسم آراء القضاة حيال مسألة تفعيل المادة 95 من قانون تنظيم القضاء العدلي. يرى مؤيدو تفعيل هذه المادة أنها تسمح بالبدء بتنقية الشوائب المتمثلة بـ«قضاة قاموا بارتكابات تدل على نقص أخلاقي وعقلي». وبحسب هؤلاء فإن «القاضي الذي يرتكب فعلاً شائناً لا ينبغي أن يبقى في القضاء». حاله كحال القاضي الذي فقد الأهلية بعد دخوله سلك القضاء. فـ«القضاة الميؤوس منهم يجب أن يكونوا في منازلهم» بحسب أحد القضاة. وعن مدى الحاجة إلى تفعيل هذه المادة بوجود المجلس التأديبي، يأتي الجواب سؤالاً: «كيف ولماذا تُحوّل قاضياً فقد أهليته إلى مجلس التأديب؟».
في المقابل، يطالب عدد من القضاة بإلغاء هذه المادة بوصفها «سيفاً مصلتاً من كبار القضاة على رؤوس بقية القضاة». ويؤكد أصحاب هذا الرأي أنها سيف ذو حدّين، فبدلاً من أن تُستخدم لطرح أهلية قاضٍ معيّن على نحو محق، يمكن أن تُستخدم «باباً للانتقام السياسي». ويشير هؤلاء إلى أن أي قاضٍ «تُعلَن عدم أهليته يمكن أن يتذرع بأن ما جرى بحقه لا يعدو كونه انتقاماً وإجراءً كيدياً». ويتحدثون عن أنّها قد تؤدي مفعولاً عكسياً، يُستخدم لـ«إرهاب القضاة». وبحسب الرافضين لتفعيل هذه المادة، فإن «المضي في تفعيلها سيسهم في زيادة سطوة مجلس القضاء الأعلى على بقية القضاة». وهناك من يرى أنها «أداة طيّعة في يد أي سلطة مقبلة يمكن أن تستغلّها لتستبعد قضاة لا يتفقون وميلها السياسي، من دون أن يتمكن أحد من الاعتراض». ويذهب أحد القضاة إلى اعتبار هذه المادة لزوم ما لا يلزم، في ظل وجود المجلس التأديبي، فيلفت إلى أنها «لا توفّر للمتقاضي حق الدفاع والمرافعة والمناقشة والاستمهال» أسوة بما هو متوافر لدى جلسات المجلس التأديبي، علماً أن نصّها يمنح القاضي حق الاستماع إليه فقط من دون حق الدفاع.
وتجدر الإشارة إلى أن المادة المذكورة طُبّقت مرّتين منذ سنوات طويلة، لكن قبل تعديلها لتشمل قضاة أصيلين عام 2001. ويذكر أحد القضاة أنها طاولت قاضيين متدرجين في معهد القضاء، حيث تقرر عدم أهلية القاضي المتدرج ح. د. بذريعة أن «شخصيته غير متزنة ولا تمكّنه من أن يكون قاضياً». أما القاضي المتدرج الثاني س.ل. فقد تقرر عدم أهليته لأنه «يمارس نشاطاً سياسياً محظوراً»، علماً أنه يمارس مهنة المحاماة اليوم.
يذكر أن المادة 95 من قانون تنظيم القضاء العدلي تنص على أنه «خارجاً عن كل ملاحقة تأديبية، لمجلس القضاء أن يقرر في أي وقت عدم أهلية القاضي الأصيل بقرار معلل يصدر بناءً على اقتراح هيئة التفتيش القضائي، بعد الاستماع إلى القاضي المعني، وذلك بأكثرية ثمانية أعضائه»، كما تلحظ المادة أن «قرارات مجلس القضاء الأعلى في شأن أهلية المرشح للاشتراك في المباراة، كقاض متدرج أو أصيل، أو بشأن أهلية القاضي المتدرج أو الأصيل، لا تقبل أي طريق من طرق المراجعة، بما فيها طلب الإبطال لسبب تجاوز حد السلطة».