«ليلة عيد ليلة عيد، الليلة ليلة عيد، زينة وولاد وصوت أجراس ...». من الغريب عدم سماع هذه الأغنية بصوت السيدة فيروز في موسم الأعياد في لبنان، لأن الاعتماد بات على بث الأغاني الأجنبية الخاصة بالعيد، فيتغير المشهد: ها هم الأطفال يرددون الأغاني بالفرنسية أو الإنكليزية، وأحياناً بالإسبانية، وكأنه ليس للغتهم الأمّ صلة بالعيد.

تمثل أغنية العيد هذه للسيدة فيروز فترة من تاريخ لبنان: اللحن غربي، أما الكلمات فعربية. تميز ثقافي يبدو كأن اللبنانيين خسروه، فلم يعودوا يمزجون الثقافات والتقاليد لمصلحة ماضيهم، بل باتوا يستوردون ثقافة منسوخة وشبه موحدة في إطار عولمة تقضي على الموروث الثقافي الخاص لكل بلد على نحو وحشي. فبات الميلاد مجرد بابا نويل، وبات قليلون يعرفون قصة ميلاد السيد المسيح في بيت لحم في فلسطين.
عيد الميلاد في لبنان ضحية هذه الظاهرة، عيد غزته التقاليد المعولمة ففقد كل ما يميزه. ومعلوم أن التأثيرات الغربية بدأت بالدخول إلى لبنان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عن طريق التجارة والمرسلين الأوروبيين، وكان نصيب عيد الميلاد كبيراً من التغيرات، فظهرت عادة وضع الأشجار وصنع المغاور من تحتها.
قديماً، كانت تُنحت تماثيل جمال من خشب، تخليداً، تقول إن عجيبة حصلت أمام باب مغارة المهد في بيت لحم عندما عادت الى أحد الجمال التي كانت تقلّ المجوس، بعدما توفي من الإرهاق أمام باب المغارة. أما اليوم، فكل ما بقي من هذه العادة هو وضع تماثيل لجمال المجوس بين شخصيات المغارة من دون أي ذكر للرواية القديمة. وزينة المغارة كانت تبدأ مع عيد البربارة (4 كانون الأول). حينها يزرع القمح والعدس والحمص التي تنبت بسرعة، فترمز إلى قوة الحياة وسرعة عودتها إلى العالم. ويوضع العشب النابت حديثاً حول المغارة. وليلة العيد، تجتمع العائلة في منزل الجد، أي رمزياً حول رأسها، وتتشارك في صناعة مائدة المناسبة حيث تقدم الأطباق التقليدية من ديك محشي وكبة أرنبية والكبة النية والفوارغ. وتكون التحلية قمحاً مسلوقاً وكعك العيد ونقوعاً (طبق يصنع من «نقع» أنواع مختلفة «القلوبات» في ماء قمر الدين)، إضافة الى طبق المغلي، المخصص في المشرق للاحتفال بولادة طفل جديد. أما اليوم، فقد غزت مائدة العيد مأكولات غربية كديك الحبش المحشي، وباتت التحلية تقتصر على البوش دو نويل، والكحول هو «آيريش كريم»، من التراث الإيرلندي!
الطقوس الدينية الخاصة بالعيد تأثرت هي أيضاً بموجة العولمة، فدخلت الترانيم الغربية التي لا تلائم ثقافتنا العربية على حساب تقليد موسيقي عريق يعود إلى القرون الأولى للمسيحية ويمثل أقدم ما يعرف من الموسيقى المشرقية والعربية. وبقيت فقط عادة المشاركة في قداس منتصف الليل التي لا تزال جزءاً أساسياً من مراسيم العيد، فيما غابت عادة زيارة الكنائس المكرسة للسيدة مريم، صباح العيد، من أجل تهنئتها بولادة المسيح.