هل حماية الممتلكات الثقافيّة في حالات النزاع المسلح ضرورة في العالم العربي؟ سؤال قد يعتبره البعض بسيطاً لأن الإجابة عنه ستكون إيجابية بالطبع إذا ما نظرنا الى الإرث الثقافي الغني جداً لهذه الدول. لكن الواقع مغاير تماماً. فليس هناك من حمايات خاصة بالمتاحف أو بالمواقع الأثرية في العالم العربي، والمثل الأكبر والأقرب تاريخياً إلينا هو متحف القاهرة. فلولا وقوف المتظاهرين على بابه، لما عرف ما كان سيحصل داخل جدرانه.

أما بالنسبة إلى المواقع الأثرية، فحدّث ولا حرج، تجار الآثار واللصوص ينتظرون أقل الصراعات لاستغلال الوضع ونبش المواقع وتهريب القطع الى السوق العالمية. أما بالنسبة الى التحضير المسبق للكوارث الطبيعية، فالمبدأ المعتمد حتى الآن هو: حينما تحدث الكارثة نبحث في أمرها، في حين أن المبدأ المعتمد في الغرب يقول إن الحوادث الطبيعية تصبح كوارث بسبب عدم التحضير المسبق لها!
ومع اختلاف المنطق وطرق المعالجة، يختلف الواقع على الأرض. فما يبدو في الغرب حوادث يصبح في العالم العربي كارثة، قد يحول دون وقوعها شغف الموظفين في الإدارات المعنية بالمحافظة على التراث. ففي ليبيا أخيراً، مثلاً، لولا الحراس في المواقع الأثرية لتحولت هذه الأخيرة الى نقاط حرب.
من هنا، ضرورة تأسيس لجان وطنية لـ«الدروع الزرقاء» في كل دولة من الدول العربية. قد يطرح السؤال: لماذا الانضمام للجنة عالمية بدل تأسيس جمعية خاصة؟ والجواب الأبسط هو لأن شعار «الدروع الزرقاء» معترف به عالمياً في اتفاقية لاهاي 1954، فما إن ترسم الإشارة على الممتلكات الثقافية حتى تجبر الجيوش على احترام حرمتها وتجنيبها العمليات العسكرية. والمثال الأقرب الى الأذهان هو الصليب الأحمر، فكما يحمي شعار هذه المؤسسة الإنسانية المدنيين، يحمي شعار الدروع الزرقاء الممتلكات الثقافية. وقد رسم هذا الشعار على سطح متحف بغداد إبان قصفها لتنبيه الطيارين. وفي ليبيا، أعطت اللجنة الدولية لائحة بالمواقع الأثرية لطياري الحلف الأطلسي للتأكد من عدم قصفها.
هذا بالنسبة إلى الحروب الدولية والاحتلالات، أما على النطاق المحلي والحروب الداخلية فيأتي دور اللجان المحلية من «الدروع الزرقاء». مهمتها الأولى تكون طبعاً ضمان أمن المتاحف وأكبر المواقع الأثرية، لذا يجب أن تتألف اللجنة الوطنية من أهل الاختصاص من علماء آثار ومهندسين يعملون مع كوادر أمنية تؤمن الحماية وتعرف كيف يجري التحرك في حال الفلتان الأمني. عمل هذه اللجنة لن يكون بعد اندلاع الحروب، بل ينبغي أن يكون وقائياً واستباقياً.