سيول | متحف كوريا الوطني لا يشبه باقي المتاحف في العالم. مبنى حديث جداً وضخم جداً. شيّد ليبهر زائريه بأهمية جمهورية كوريا التكنولوجية والاقتصادية، فأتت النتيجة مطابقة للأهداف. كوريا الجنوبية تعمل جاهدة لتثبت نفسها على الساحة العالمية كمركز لحماية الثقافات، هذا ما يستنتجه المشارك في المؤتمر العالمي الأول للجنة العالمية للدروع الزرقاء (International Committee of the Blue Shield) الذي أُقيم في سيول في بداية الشهر الحالي.


المؤتمر ضم عدداً كبيراً من العلماء من جنسيات مختلفة، لبوا دعوة متحف كوريا الوطني، وأتوا إلى سيول ليتباحثوا بحسب خبراتهم ودراساتهم في أفضل الطرق للدفع بعجلة حماية الممتلكات الثقافية في حالات النزاع المسلح، والكوارث الطبيعية، لتصبح من الأولويات.
طلب الكوريون من المشاركين العمل ليصبح المؤتمر مرجعاً يعتمد عليه في حال النزاعات، فأتى رد رئيس اللجنة العالمية للدروع الزرقاء جوليان انفريوس «بأن أيام اللقاءات هذه تهدف الى جمع الخبرات من مختلف الميادين، لذا دعونا اختصاصيين من كافة المجالات، فهناك علماء الآثار، وخبراء المتاحف، ومسؤولون في الصليب الأحمر الدولي، ولجان من الجيش لمناقشة سبل حماية الممتلكات الثقافية، وخاصة أن سنة 2011 شهدت سلسلة كبيرة من الكوارث الطبيعية والتحركات العسكرية، التي جعلت من موضوع المحافظة على التراث أولوية». وإن لم تصبح هذه الأولوية بعد على صعيد الدول، فإنها باتت لدى رابطة اللجان الوطنية للدروع الزرقاء كما قال رئيسها كارل فون هابسورغ.
وأضاف هابسورغ، في مداخلته، أن « هذه المنظمة باتت تعمل على الأرض وتتدخل حينما يُطلب منها ذلك. خلال الثورة في مصر، توجهنا الى القاهرة وكنا أول من دخل المتحف المصري، للتأكد من مدى الأضرار الواقعة فيه، ومن ثم توجهنا الى المواقع الأثرية المحيطة بالقاهرة، واستطعنا أن نعطي تقريراً سريعاً عما يحصل على الأرض، كما أننا أسهمنا في المحافظة على آثار ليبيا، حينما قدمنا لائحة مفصلة بالمواقع الأثرية لقوات حلف الأطلسي، مع التأكيد على ضرورة الابتعاد عنها لأن حمايتها مشروطة باتفاقية لاهاي. وفي ايلول 2011 قمنا بأول جولة تفقدية في ليبيا، فكانت المفاجأة السارة جداً: المواقع الأثرية والمتاحف محمية تماماً، بالطبع باستثناء مصرف بنغازي حيث سرق الكنز». وعمل الحلف الأطلسي أتى ليؤكد رفضه أن يقع في نفس أخطاء الجيش الأميركي في حرب العراق، فالجيوش لا تريد أن يقال عنها إنها تسببت «بنهب ثقافي». لذا بات تدريب الفرق الذاهبة الى الميدان على أهمية التراث وطرق حمايته وعدم المساس بالقطع الأثرية او أخذها «كغنائم حرب» من أولويات الجيش الأميركي، كما تقول مؤسسة لجنة الدروع الزرقاء الأميركية كورين فاغنر .
اما المشاركة الكورية، فأتت على عدة اشكال. كان هناك علماء الآثار الذين سردوا قصة حماية قطع المتحف خلال الحرب الأهلية الكورية. في حينها، تدخلت القوات الأميركية لحماية القطع الأثرية ونقلها بالقطار الى مدن أخرى، مخافة أن تضع القوات السوفياتية يدها عليها، وتأخذها الى كوريا الشمالية. وتأتي ذكرى الحرب لتبرز كيف أن الشعب الكوري يحاول أن يتخطى حروبه السابقة، ويتعلم منها ليبقي التاريخ قاسماً مشتركاً بين الشعبين، فالمتحف الوطني لا يحمل اسم جمهورية كوريا، او كوريا الجنوبية، بل متحف كوريا، إيماناً من القيمين عليه بعدم انقسام الشعب، بل السلطة السياسية فقط.
أتت مشاركة كاتبة المقالة في المؤتمر من خلال مداخلة شرحت فيها طرق الحماية التي اعتمدها كل من لبنان والعراق لحماية متاحفهما خلال الحروب الطويلة التي عرفاها. وكان التشديد على ضرورة مساعدة القيمين على التراث في الدول، ليس خلال المعارك فقط، بل أيضاً خلال النزاعات الطويلة الأمد. فكلما طالت الحروب، كانت سبل المحافظة على الآثار صعبة، إن لم تكن مستحيلة.