يكثر الإقبال على شراء الأزهار في فترة الأعياد، من دون أن يعني ذلك خفوته في الأيام الأخرى. دائماً هناك سبب لشراء الأزهار. يكفي الأمل الذي يبعثه جمالها في النفوس. وقد أسهم الطلب المتزايد على هذه الزراعة في انتشار محال بيعها، قبل أن يعمد المزارعون إلى زراعتها في الخيم البلاستيكية لتحل محل زراعات أخرى كالخضار، التي باتت تصاب بانتكاسة تلو أخرى. تحوّلٌ أدخل القطاع ضمن سلسلة الزراعات المحلية. ويتيح زرعها في خيم بلاستيكية أو بيوت زجاجية التحكم في درجة الحرارة وكمية الضوء... إلخ.

يكتفي المزارع محمود سعيد بعبارة «الورد جميل»، ليشرح تحويله خيمه البلاستيكية في صيدا، التي اعتاد زراعة البندورة فيها، إلى خيم خاصة لزراعة أزهار حمراء تفوح منها روائح عطرة. بدا السبب الأول رومنسياً، لكن الهدف الحقيقي بحت اقتصادي، بعدما قرر خوض تجربة زراعية جديدة «مضمونة الأرباح». وقال: «تفضيلي زراعة الأزهار قد يكون هروباً من الخسائر الناتجة عن زراعات أخرى».
يركّز سعيد على زراعة الورد الجوري والايستير الصيني والزنبق والفل في بستانه. كأنه انتقى محبيه مسبقاً. لم يهجر وحده زراعاته القديمة، بعدما قرر عدد من مزارعي صيدا والزهراني التخلي عن زراعاتهم التقليدية ودخول عالم زراعة الأزهار التي «لها زبائنها، وباتت توازي السلع الغذائية أهمية».
باتت بلدة العدوسية (جنوب صيدا) تلقب بعاصمة الأزهار، بعدما اكتشف مزارعوها منذ سنوات أهمية هذه الزراعة التي احتلت الخيم البلاستيكية وصارت تمتد على مساحة 70 في المئة من أراضيها الزراعية. وفي السياق، يقول غسان لبس، الذي امتهن زراعة الأزهار منذ تسعينيات القرن الماضي، إن «أزهار البلدة تغذي ما يزيد على الخمسين في المئة من احتياجات السوق اللبناني». ويضيف إن «المشاكل التي اعترت قطاع الخضار دفعت عدداً من المزارعين إلى الهروب نحو الأزهار»، لتعمم هذه الزراعة لاحقاً.
وترتكز منطقة صيدا ــ الزهراني على زراعة أربعة أنواع من الأزهار، هي «جربيرا، كريزونيم، استوما، والمنتور»، إضافة إلى أنواع أخرى. ويعتمد المزاعون على الخيم البلاستيكية لحمايتها من عوامل الطقس. ويشرح بعض المزارعين أن «قطف الأزهار لا يتوقف في الربيع، لكنه يخف شتاءً، ما ينعكس على العرض في وقت يزداد فيه الطلب». ويلفت إلى «موسمين شتوي وصيفي للكريزونيم وأزهار أخرى»، موضحاً «تبدأ زراعة الشتاء في شهر أيلول، وتمتد أشهراً. ويعتمد المزارعون على حوالى150 مصباحاً في الخيمة الواحدة لزيادة كمية الضوء. وعندما تصل الشتلة إلى طول خمسين سنتم، تُطفأ الأضواء». ويتابع أن «الفوج الصيفي يمتد بين شهري آذار وآب، حيث يكون نور الشمس قوياً، ما يدفعنا إلى زيادة كمية العتمة بواسطة ستائر سوداء من الخامسة عصراً حتى اليوم التالي، كي تعقد الزهرة».
تسجّل زهرة «جيربرا» بألوانها الزاهية حضوراً قوياً في الجنوب. تستورد شتولها من منشئها في هولندا، وتزرع في شهر نيسان بعد إعداد التربة وتعقيمها وزيادة المواد العضوية فيها، لتزهر بعد ثلاثة أشهر. تتقاعد هذه الشتلة المحبة للطقس المعتدل بعد ثلاث سنوات من زرعها.
خلال فترة الأعياد، يزداد الطلب على زهرة المنتور، وقد احتلت مساحة واسعة من الأراضي الزراعية في صيدا والعدوسية. ويوضح لبس أن «بذر المنتور أغلى من الذهب، إذ تبلغ قيمة 5 كيلوغرامات 100 يورو، وتستورد من هولندا أيضاً».
يرى مزارعون أن «قطاع زراعة الأزهار يزدهر في لبنان، علماً أن كلفة زراعته أعلى من الخضار، لكن نسبة انتاج الأزهار أوسع، وهامش ربحها أكبر». نظرة إيجابية تقابلها أخرى سلبية، تقول إن «القطاع لا يزال عاجزاً عن مواكبة التطور لأسباب عدة، منها عدم وجود تدفئة تنقذ الشتول من البرد، وعجز المزارعين عن تهويتها صيفاً، فضلاً عن غياب التوجيه والإرشاد الزراعي». تضاف إلى ذلك الأمراض التي تصيب الأزهار في ظل غياب الأدوية الفعالة في لبنان.
أما لبس، فيرى أن المشكلة الأساسية التي يعانيها قطاع الأزهار تتمثل في «تصريف الإنتاج الذي يتأثر بعدم الاستقرار وتقصير الدولة في مراقبة التجار والأسعار». وتشير إحصاءات زراعية غير رسمية إلى انتاج لبنان ملايين الأزهار سنوياً في صيدا والزهراني وجبيل وزحلة والمتن وغيرها، لكنها كمية عاجزة عن سد احتياجات السوق المحلي، ما يدفع المزارعين إلى الاستيراد من الخارج.