حكم

باسم الشعب اللبناني
ان القاضي المنفرد المدني في بعبدا، الناظر في القضايا المستعجلة، لدى التدقيق،
تبين انه بتاريخ 6/7/2011 تقدمت شركة اخبار بيروت ش.م.ل. ممثلة برئيس مجلس ادارتها، وكيلها الاستاذ نزار صاغية، باستحضار بوجه شركة طيران الشرق الاوسط الخطوط الجوية اللبنانية ش.م.ل. عارضة انها شركة صحفية تصدر جريدة الأخبار اليومية الواسعة الانتشار، فيما تحوز شركة الطيران على حق حصري في استعمال الخطوط الجوية النظامية في لبنان، وهي مملوكة بنسبة 99% لمصرف لبنان ويتم تعيين كامل اعضائها من قبل مجلس الوزراء

، والمعلوم ان هذه الشركة يفترض انها توزع على متن رحلاتها وفي نقاط محطاتها الارضية جميع الصحف ومنها جريدة الأخبار باتفاق في ما بينهما حتى التاريخ الذي بدأت فيه الجريدة، ومن منطلق واجبها الصحافي الرقابي، بنشر تحقيقات حول تجاوزات في ادارة شركة الطيران، وبعدها بنشر وثائق ويكيليكس، ما حدا بها، وتحصيلاً لما تراه حقاً لها، الى وقف نشرها على متن رحلاتها، وانه بتاريخ 12/4/2011 أرسلت إليها انذاراً بوجوب الامتناع عن التمييز بين الصحف دون اي تجاوب من قبلها، وانه بتاريخ 17/6/2011 استعانت بالخبرة الفنية لضبط واقعة عدم توزيع صحيفة الأخبار وفق ما سبق، فلم يكن هنا تجاوب كاف من الشركة، مدلية في القانون بأن اختصاص المحكمة قائم لوقف التعدي الواضح المتمثل بعدم توزيع جريدة الأخبار خلافاً لمبدأي حرية التعبير والمساواة امام الادارة العامة المكفولين في الدستور، والا لمخالفتها موجباتها التعاقدية بعد موافقتها على العرض الذي وجه اليها، وطلبت في الختام اصدار القرار بوقف التعدي الواضح وفق ما ذُكر، المتمثل بعدم توزيع جريدة الأخبار للمسافرين على الخطوط الجوية وفي صالونات الشرف في المطار والزام الشركة الخصم تبعاً لذلك بتوزيعها على كامل رحلاتها اليومية بحسب الاتفاق المبرم، اي ما يعادل /350/ نسخة يومياً تحت طائلة غرامة اكراهية سنداً لاحكام المادتين /249/ و/251/ موجبات وعقود وتضمينها النفقات القانونية والعطل والأتعاب.
وتبين انه بتاريخ 27/9/2011 قدمت المدعى عليها، وكيلها الاستاذ ميشال سمراني، لائحة اجابت فيها بأنه منذ بداية العام الحالي 2011 شرعت المدعية بحملة ضدها وضد مديرها العام والشركات التابعة لها عبر مقالات وتحقيقات متعددة، ما دفعها الى وقف توزيع جريدة الأخبار على متن رحلاتها بعد تمنعها عن نشر الرد وفق الاصول، وانها شركة خاصة يتم تعيين اعضاء مجلس ادارتها عبر الجمعية العمومية العادية لمساهميها، مدلية بوجوب رد الدعوى لعدم اختصاص المحكمة تبعاً لعدم ثبوت التعدي الواضح وعدم ثبوت تعاقدها مع المدعية ولكونها محقة في وقف التوزيع حفاظاً على سمعتها، وخلصت الى طلب رد الدعوى للاسباب المذكورة وتضمين المدعية النفقات القانونية والعطل والضرر والاتعاب.
وتبين انه بتاريخ 15/11/2011 قدمت المدعية لائحة جوابية كررت فيها فحوى السابق اقوالاً ومطالب.
وتبين انه في الجلسة المنعقدة بتاريخ 13/12/2011 قدمت المدعى عليها لائحة جوابية استعادت فيها جميع اقوالها ومطالبها السابقة كما كررت المدعية بدورها كل اقوالها ومطالبها السابقة، واعلن اختتام المحاكمة فأرجئت الجلسة لافهام الحكم بتاريخ 27/12/2011.
بناءً عليه
حيث تطلب المدعية وقف ما تراه تعدياً متجسداً بمنع جريدة الأخبار اليومية التي تصدرها من التوزيع على متن رحلات المدعى عليها وفي صالونات شرف المطار، وبالتالي الزام الاخيرة بالتوزيع تحت طائلة غرامة اكراهية عن كل يوم تأخير.
وحيث تدفع المدعى عليها بمشروعية المنع انطلاقاً من صلاحيتها كشركة خاصة ولكونها عرضة لحملة اطلقتها المدعية ضدها وضد الشركات التابعة لها متكئة على تلفيقات غير صحيحة تمثل في مكوناتها جرائم ذم وقدح بحقها، فضلاً عن غياب اي التزام قانوني او تعاقدي بالتوزيع المستمر للصحيفة المعنية.
وحيث ان المدعية ترتكز في دعواها على احكام الفقرة الثانية من المادة /579/من قانون أ.م.م.، التي تعطي القاضي الناظر في القضايا المستعجلة سلطة اتخاذ التدابير الآيلة الى ازالة التعدي الواضح على الحقوق أو الاوضاع المشروعة.
وحيث يستلزم إعمال هذا النص التئام شرطين اثنين: الاول ان يكون للمدعية حق أو وضع مشروع اراد المشترع ضمان الحماية له، والثاني وقوع تعد واضح على هذا الحق أو الوضع، ووجه الوضوح مؤداه ان يكون الفعل المشكو منه مما يتسم بافتئات نافر وجلي لا يحتمل اية منازعة حول غياب مبرره القانوني، بشاكلة يضحي أمر ازالته داهماً وواجباً ولا سبيل لتلافيه.
وحيث يتعين سعياً لاستثبات عنصري الحق المشروع والتعدي الواضح، الانطلاق من رسم القواعد القانونية الحاكمة للنزاع ضمن حدّين:
الاول يظهر بتقيد المحكمة بحدود اختصاصها عبر شرح مضمونه وغايته وعلاقته بقضاء الاساس تكاملاً او تضاداً،
والثاني يملي الالتفات الى ان الصفة العامة للنصوص الراعية لقضاء الامور المستعجلة تتيح تطبيق نصوص خاصة ترعى حقوق الفريقين وموجباتهما على وجه التخصيص.
وحيث استنارة بذلك ومن زاوية اولى، عندما ينظر قاضي الامور المستعجلة في مدى تحقق التعدي بالمعنى المنصوص عليه في الفقرة الثانية من المادة /579/ من قانون أ.م.م.، عليه التمحيص في إدلاءات الفريقين بما يلامس اساس النزاع دون أن يصل به الامر الى الفصل فيه، انما ما يعود له هو تقدير دفاع المدعى عليها ومدى اتصافه بالجدية الكافية التي لا محل معها الا للبت في وجود الحقوق أو اندثارها، بحيث يأتي الدفاع بمعطيات تزيل عن التعدي خاصية الوضوح وتجبر المحكمة على رفع يدها عن الملف.
وحيث من زاوية ثانية، ان الحكم على دفاع المدعى عليها يتم عبر ابراز مكونات الحق المشروع والتعدي الواضح في النصوص والمبادئ التي تنظم عملها وعلاقتها بالمدعية، سواء انظر الى العلاقة بصيغتها العامة أم جرى الامر نتيجة تصرف كل منهما وما نشأ في ما بينهما من علاقة مع الزمن.
وحيث بعد هذه المقدمات الاصولية وعلى هديها، لا بد من الانتقال الى التحري عن مدى وجود حق مشروع للمدعية في ما تطلبه، وبعده وعند ثبوته فقط، التحقق مما اذا فعل المدعى عليها يختزن تعدياً واضحاً.
وحيث بيّنٌ ان المدعية ترمي من طلباتها تحقيق غاية تكمن في اعادة فتح الفرصة امامها لتصل بجريدة الأخبار الى زبائن المدعى عليها من المسافرين، وابقاء حضورها الصحفي مكفولاً لدى قرائها في هذه الفئة من الناس.
وحيث بتوجه مبدئي راسخ قانوناً، ان الصحافة المكتوبة تعد مدماكاً رئيساً في ممارسة الحق في التعبير بحرية في نطاق القانون، حسبما تنص عليه صراحة المادة الاولى من قانون المطبوعات تاريخ 14/9/1962 وتعديلاته، تكريساً لما يورده الاعلان العالمي لحقوق الانسان والدستور اللبناني والمعاهدات الدولية من قواعد سامية في هذا المضمار.
وحيث على صعيد آخر، ان ما يستقيم توسله تحديداً لمدلول حريتي الصحافة والتعبير كمحتوى للحق المشروع المحكي عنه، يختلف عرفاً ما بين المؤسسات ذات الطبيعة الخاصة وتلك التي ترتدي رداء العام، باعتبار أن الاولى تمتلك هامشاً اوسع في رفض التواصل مع رأي لا تستسيغه وبالتالي انكار الاعتراف بأية حقوق ثابتة بوجهها، وان كانت ملزمة بما تبرمه من عقود بإنفاذها عيناً او تحمل عبء التعويض عند عدم التنفيذ، فيما على الثانية عدم انتهاج مثل هذا النهج الحاد، بل ان معايير بيان حقوق الغير، ومنها الصحافة، هي اكثر مرونة وانصياعاً لمفترضات القانون، وذلك لكونها تستهدف نفعاً عاماً لا مجرد مصلحة المالكين بمفهومه الممارَس في القطاع الخاص.
وحيث في هذا السياق، تدلي المدعى عليها بأنها غير معنية بأية حقوق لنشر جريدة المدعية، لانها شركة خاصة ولا تشريع خاصاً يعتبرها مرفقاً عاماً حتى يصح اخضاعها لقواعده وما يخضع له.
وحيث بعيداً عن التكييف القانوني للمرفق العام وفق القانون الاداري، وهو تكييف متحرك متطور حسب الحاجات، لا يُتصور النظر الى المدعى عليها كشركة خاصة شأنها شأن سائر الشركات وترتيب الآثار القانونية على هذا الاساس، وذلك للعلل والاسانيد التالية:
ـ ان العبرة دائماً لاضفاء الطابع العام على نشاط ما، لا يتوقف بالضرورة عند حدود الشكل، بمعنى ان اتخاذ المدعى عليها شكل الشركة المساهمة وأداء نشاطها وفق احكام القانون التجاري، لا يبدل في الهدف من عملها الا وهو اشباع حاجة وطنية عامة تتجلى في نقل المسافرين من لبنان الى سائر أرجاء المعمورة وبالعكس، بموجب ترخيص من الدولة اللبنانية لتشغيل الخطوط الجوية المنتظمة، وهو ترخيص لا يجوز التنازل عنه البتّة.
ـ ان مصرف لبنان الذي يملك الغالبية الكبرى من أسهم الشركة المدعى عليها هو شخص من اشخاص القانون العام ولا يجوز له ان يسهم سوى في شركات لبنانية ذات منفعة عامة أو شركات وطنية مختلطة في حدود امواله الخاصة وفاقاً لاحكام المواد /13/، /110/ فقرة «واو» و/111/ فقرة «باء» من قانون النقد والتسليف، وان كانت حركة نشاطه مع الغير خاضعة لاحكام قانون التجارة البرية.
ـ ان انتفاع المسافرين على متن رحلات المدعى عليها بما تقدمه من خدمة نقل جوي يشتمل ضمن حدود القانون حقهم في الحصول على أية جريدة يريدون، واستتباعاً حق المدعية في توفيرها لهم ما لم يكن ثمة مانع مشروع يسوغ حجبها عنهم.
وحيث ازاء ما جرى بسطه ايجازاً أعلاه، يتحصل أنّ للمدعية حقاً مشروعاً في توريد جريدتها المعنية الى المسافرين عبر المدعى عليها وفق الضوابط التي تخطّها الأخيرة نسخاً وكيفيةً وغيرها من تفاصيل تدخل في سلطتها الإدارية الخالصة.
وحيث إن إقرار حق المدعىة بصيغتها هذه، يجنح إلى تلافي اعتماد مسار يغدو فيه الحق في التعبير محل انهاء أو تغاض أو تجاوز من غير توفير الحجج القويمة قانوناً وتعاملاً، وهكذا ان من اللازم ضمان استفادة المدعية من مبدأ مساواتها بمثيلاتها من الصحف دون تمييز تحت أية ذريعة إلاّ ما يفرضه القانون.
وحيث على مستوى ثانٍ، لا يفضي تبني الحق المشروع للمدعية الى افتراض التعدي الواضح في ما أتته المدعى عليها من تدبير، بل تبقى حتمية التبصر فيه وجوداً أو عدماً.
وحيث من الثابت في الاوراق، ان الشركة المدعى عليها كانت قد وافقت على عرض المدعية بقبول ثلاثمائة وخمسين نسخة من جريدتها يومياً لتوزيعها اصولاً.
وحيث تشير المدعى عليها دفعاً للتعدي عن قرار منع جريدة الأخبار على متن رحلاتها، إلى الحملة التي تتولاها الأخيرة والتي تمس بسمعتها ولا يُقبل فرض عرضها على المسافرين لما سيؤدي اليه الامر من كبير ضرر على مصالحها، علاوة على امتناع الجريدة عن نشر الرد الذي أرسلته اليها بالطريقة المناسبة.
وحيث بادئ ذي بدء، إن القول بأن توزيع الجريدة على المسافرين سيعرّض سمعة الشركة للسوء يفتقر الى الجدية، لكون المنع سيدفع غير المعتادين على قراءة الجريدة، بل غير الموافقين على توجهها العام، الى محاولة الحصول عليها بدافع الفضول الذي يوجده المنع ذاته.
وحيث ومع افتراض تجاوز جريدة الأخبار المعنية ببعض المفردات المستخدمة في المقالات والتحقيقات لحدود حرية التعبير، فإن ذلك يخول المدعى عليها جملة من الحقوق والمراجعات التي تحقق غايتها بحماية نفسها بغير طريق المنع، منها الآتي:
ـ حقها في مراجعة هذه المحكمة بالذات وفق احكام المادتين العاشرة والحادية عشرة المعدلتين من قانون المطبوعات لاستصدار قرار بوجوب نشر الرد بعد ابلاغ الطلب من الجريدة المعنية لابداء ملاحظاتها خلال مهلة ثلاثة ايام فقط، ويكون قرار الالزام بالنشر مبرماً غير قابل لأي طريق من طرق المراجعة ويتم النشر في اول عدد وعلى نفقة الجريدة نفسها، كما يرتب الامتناع عن انفاذ القرار جرماً جزائياً وحقاً في التعويض الى جانب الغرامة الاكراهية.
ـ مراجعة محكمة المطبوعات في كل ما تراه ذماً وقدحاً في حقها كشخص معنوي أو ضد اي من العاملين فيها وباسمها عملاً بأحكام المرسوم الاشتراعي رقم 104/77 المعدل لقانون المطبوعات.
ـ اقامة دعوى مدنية للتعويض عما تسببت به المنشورات من أضرار لدى القضاء المختص.
وحيث من النافل ان المدعى عليها لم تلجأ الى استعمال اي من حقوقها المذكورة، بل آثرت اتخاذ تدبير المنع دون ابلاغ الجريدة مسبقاً بوجود نية لديها لانهاء العلاقة معها في حال استمرار ما تعتقده «حملة» تستهدفها.
وحيث ان ما ذهبت اليه المدعى عليها يشكل أسلوباً خاطئاً وغير مبرر قانوناً، ما دامت حقوقها محمية ولا تتطلب غير ولوج المسارات القانونية والاستحصال على القرارات الضرورية والتي قد يكون منها وقف النشر أو التعويض أو انهاء العقد أو حتى الادانة للمدير المسؤول ولكاتب المقال وفق ما تفرضه القوانين ذات العلاقة.
وحيث اتساقاً مع كل السابق، وفي ضوء الاتفاق الصريح الجاري في ما بين الفريقين على توزيع الجريدة التي تنشرها المدعية، يمسي الركون الى قرار وقف التوزيع والمنع بمثابة تعدّ واضح على حقها المشروع في التعبير والتحقيق الصحفيين، ويملي على المحكمة، واجباً لا استنساباً، حتمية التدخل لإزالة التعدي والالزام بالتوزيع وفق الشروط المتوافق عليها راهناً مع حق المدعى عليها في طرح التعديل أو ممارسة اية حقوق اخرى معطاة لها قانوناً.,
وحيث نظراً لوضعية الفريقين ولكون التوزيع يستدعي تدخلاً مباشراً من المدعى عليها، ترى المحكمة فرض غرامة إكراهية عليها لضمان التنفيذ عملاً بأحكام المادة /687/أ.م.م.
وحيث بالوصول الى هذه النتيجة بات من غير المجدي بحث الاسباب الزائدة أو المخالفة، واقعية كانت أو قانونية، ما يجعلها مردودة جميعها.
لهذه الاسباب
يحكم:
أولاً: بوقف منع توزيع جريدة الأخبار اليومية على متن رحلات الشركة المدعى عليها وفي الأمكنة المخصصة لذلك، وبالتالي بإلزام الاخيرة بمعاودة التوزيع وفق الكتاب المرسل الى المدعية والموقع من قبل رئيسة العلاقات العامة لديها بتاريخ 7/10/2009 والمبرز طي الاستحضار، تحت طائلة غرامة إكراهية مقدارها مئة الف ليرة لبنانية عن كل يوم تأخير.
ثانياً: بحفظ حق المدعى عليها باتمام التعديلات التي تراها في عملية التوزيع وبأية حقوق لها تقرّرها القوانين ذات العلاقة.
ثالثاً: برد الأسباب والمطالب الزائدة أو المخالفة وبتضمين المدعى عليها نفقات المحاكمة جميعها.
حكماً معجل التنفيذ قابلاً للاستئناف صدر وأفهم علناً بتاريخ 27/12/2011
القاضي حسن حمدان