سهول الكرمة في كفريا، وقبلها مزارع تعنايل، ومحاصيل اليقطين البرتقالي، ومزروعات عمّيق والمنصورة وعين الجوزة وعين زبد، كلها مشاهد جميلة لا تنبئ أنها توصل إلى بحيرةٍ صارت أرضها مكشوفةً بفعل الجفاف. لكن الواقع يقول ذلك، ربطاً بجفاف كبير يضرب بحيرة القرعون. البطاطا والكوسى وكل الخضار التي تحتاج ريّاً غدقاً، ارتفعت أسعارها.


لقد حفر مزارعون آباراً للري، واشترى آخرون كميات من المياه الحلوة لحفظ مواسمهم. أما القنوات المتفرّعة من الليطاني قرب جب جنين، فصارت ممراتٍ ترابية جافة، وهجرها الماء. بحيرة القرعون جفّت بسرعة، وبدّلت حياة أهلها.

بات يمكنك أن تتعثر بسمكٍ ميت بعيونٍ وأفواهٍ مفتوحة


بدأت تتكشف معالم مقبرة تضم رفات 60 لاجئاً فلسطينياً

عندما أنشئت بحيرة القرعون الاصطناعية عام ١٩٥٩، احتاجت إلى نحو ثماني سنوات حتى امتلأ حوضها بسعة ٢٢٠ مليون متر مكعب من المياه. لكن شتاءً شحيحاً وصيفاً شديد الحرارة، تكاتفا العام الماضي، فأفقداها نحو تسعين بالمئة من مياهها.
قد لا يبدو المشهد مقلقاً من على شرفة دير عين الجوزة، ولا سيما لمن لم يألف شكل البحيرة أيام عزّها. ما زال فيها تجمع مائي ينحسر يوماً بعد آخر. الطريق من الدير نحو البحيرة ليست طويلة، لكنها وعرة، نعبرها برفقة وكيل دير عين الجوزة، الأب سالم فرح، الذي يقود شاحنة صغيرة «بيك آب»، ويحفظ تعرّجات الطريق. يركن آليته قرب أعمدة إسمنتية متصل بعضها ببعض عبر أسلاك شائكة. نحن على ارتفاع يتجاوز خمسة وعشرين متراً فوق بقع الماء الباقية. عند الأعمدة القصيرة كانت حدود البحيرة!! نمشي فوق ما كان يفترض أنه مساحات مائية تسرح فيها مراكب السياحة والصيد. الجفاف كشف كمّاً من المواد الملوثة الصلبة كانت تسترها المياه. يشير الناشط البيئي فهد عكروش، إلى خطة لتنظيفها قريباً، بدءاً من ضفاف النهر قرب جنين، وصولاً إلى ضفاف البحيرة.
قعر البحيرة (سابقاً) وعر ممتلئ بالصخور، وبخيطانٍ متشابكة تعثرنا ببعضها. هي شباك لصيادين كانت ترسو وتتمزق بعد تشابكها بصخور البحيرة. نزولاً، تبدأ تشققات الجفاف بالظهور فوق مساحات واسعة من البحيرة، التي تبلغ مساحتها الإجمالية بحسب الموقع الرسمي للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني ١٢ كيلومتراً.
كلما اقتربنا باتجاه نقاط وجود المياه في البحيرة، يصبح الجفاف أكثر رخاوةً أكثر، لكنه يحتمل عبور أقدامنا إذا خففنا الوطء. يموت الصيد في البحيرة سريعاً، وتسبقه الأسماك إلى ذلك. يمكن، فوق أي قطعة جافة، أن تتعثر بسمكٍ ميت، بعيونٍ وأفواهٍ مفتوحة. بوضوح يمكن تحديد مجرى النهر. تظهر معالمه كأنها طريق مرسومة. ربما كان في المشهد شيء من الفن، لكن الصيادين بغنىً عنه. هجر معظمهم ضفاف البحيرة، أرجعوا مراكبهم إلى اليابسة. مراكب راسية فوق الأرض، يعني ذلك أنها كئيبة.
من يتجوّل في العشرين مليون متر مكعب المتبقية، أو أقل، يعدّ مغامراً. سبب المغامرة أن المكسب قد يكون سمكاً من الذي نجا وتجمع حيث بقي الماء قرب السد، والمخاطرة في احتمال أن تكون رحلة الصيد هذه، هي الأخيرة. هنا أعمق النقاط سابقاً، إذ كان ارتفاع الماء من القعر يصل الى ٨٠ متراً. جلّ الصيادين امتنعوا عن الصيد، كما يقول من صادفناه منهم، مخافة ارتطام «فراشات موتيرات المراكب بالصخور فتنكسر». بعد الجفاف لم يعد باستطاعتهم تحديد عمق المياه. منهم من ترك المهنة مؤقتاً، ومنهم من صار يشتري سمك الترويت من مزارع نهر العاصي ويبيعه، بدلاً من سمك القرعون. الحسرة تقفز من وجوه الصيادين هناك. يتحسّرون على عشرات الكيلوغرامات التي كانوا يسحبونها يومياً من السمك النهري، أو من سمكة الكارب التي تعيش وتكبر في القرعون ويمكن أن يصل وزنها إلى ثلاثين كيلوغراماً. يذكر الأب فرح أنه خلال تنظيف «جوانات السد، عثر على سمكة كارب ضخمة، وظنوا في البداية أنها تمساح».
جفّ مدخول الصيادين إذاً، كمدخول المطاعم والقوارب الكبيرة المخصصة لرحلات قصيرة في البحيرة، وباللغة العامية كما يجمع عدد من أهل البحيرة «وضع السياحة عدم شرعي».
القسم الأكبر من سدّ القرعون في بلدة مشغرة ليس مغموراً بالمياه. أخيراً، أُوقف ما بقي من الري وسحب المياه لتوليد الكهرباء من مركز إبراهيم عبد العال. بدأت مرحلة تخزين المياه في البحيرة، ومصلحة الليطاني تتوقع شتاءً غزيراً هذا العام. لا يعني ذلك أن البحيرة ستمتلئ خلال فترة أشهر، بل تحتاج إلى زمنٍ أطول. بديل الكهرباء سيُوَفَّر من معملي جون والأولي اللذين يعتمدان على مياه نبع عين الزرقا لتوليد الكهرباء. مياه النبع تصب في بركة أنان قرب جزين، عبر نفق يربط معمل عبد العال ببركة أنان بطول يبلغ ١٧.٥ كيلومتراً.




عودة الآثار

عام ١٩٥٨ انتهى بناء السد. تكونت البحيرة وطفا ماؤها فوق معالم عديدة كانت موجودة على ضفتي مجرى الليطاني وعلى مقربةٍ منه. يفتح وكيل دير عين الجوزة هاتفه الذكي ويعرض عدة صور التقطت على مراحل منذ بدء جفاف البحيرة. تشير الصور إلى بدايات ظهور جسر أثري عمره أكثر من ٢٠٠ عام. الجسر يظهر اليوم بكل تفاصيله، حجارة صخرية تغطي شكله المقنطر. بالإمكان الوصول إليه عبر القعر الجاف والعبور عليه شرقاً وغرباً.
ماضياً، كان الوصل بين قرى البقاع شرقاً وغرباً يستلزم عبور مسافاتٍ طويلة، من بدايات مشغرة إلى جب جنين أو بالعكس. بناه آباء دير عين الجوزة، فسهّل انتقال الناس والبضائع، ولا سيما الطحين والقمح من المطحنة التي انكشفت أيضاً على مقربة من الجسر، وتضم ثماني قناطر. كان محصول القمح من مناطق محيطة بالقرعون، يجرش ويطحن فيها. أخيراً، بدأت تنكشف أيضاً معالم الطريق المؤدي إلى مخيم اللاجئين الفلسطينيين في القرعون، الواصلة إلى مقبرة تضم رفات أكثر من ٦٠ لاجئاً ماتوا خلال أربعة أعوام هي مدة مكوثهم في المنطقة، قبل إزالة مخيمهم عام ١٩٥١ بعد اتخاذ الحكومة قراراً ببناء سد القرعون. قريباً، سيمكّن الجفاف أحفادهم من زيارتهم سيراً على الأقدام، والوقوف أمام شواهد قبورهم، بعدما كانوا يزورونهم عبر القوارب، يقرأون الفاتحة فوق الماء ويرمون الورود إلى أموات البحيرة.