هذه الثياب الرقيقة، لا تقيهم البرد عندما يبدأ اقتلاع البطاطا في السهل عند الخامسة فجراً. يجمعهم «الشاويش» ويتوجه بهم إلى الشقاء المدفوع راتبه إلى الأهل، وللشاويش عمولته، وهكذا تصل الفاكهة والخضر إلى بيوت الناس.

يتمدد ضوء الشمس فوق أراضي سهل البقاع. يتفاقم معه القلق من عدم تجاوب الأطفال والمزارعين والشاويش. ليس سهلاً أن تسأله من أين يأتي بالأطفال ويشغلهم في الأرض. كما أنه ليس محبباً بالنسبة إلى المزارع أن يسأل عن عمالة الأطفال، بينما جلّ اهتمامه أن تتحدث الصحافة عن ارتفاع تكاليف موسم البطاطا.

يغرس المحراث الآلي شوكته في بطن الأرض، ويسير السائق بسرعة في خط مستقيم طوله مئات الأمتار. تخرج البطاطا فيقترب الأطفال لتعبئتها. بسرعة تمتلئ أكياس الخيش المربوطة حول خصورهم، تثقل حركتهم، يتجهون إلى نقطة يفرغون فيها القطاف، ليعودوا مسرعين الى خطٍ آخر حفره المزارع بمحراثه الآلي. 
يجول بينهم رجل بملابس منسّقة ودافئة. يحمل عصا لا يحتاج إليها في المشي، يستخدمها لتوجيه الأطفال نحو البطاطا التي فاتهم أن يقطفوها. يحفظ أسماءهم ولا يتردد في الحديث عن مهنته، وهنا المفاجأة. الشاويش في المناطق الزراعية ليس حالةً مرفوضة، ولا سيما أن عمالة الأطفال في الزراعة ليست بالأمر المستهجن.
 اسمه شلاش، وهو شاويش الأرض التي زرناها. علاقته طيبة بأصحابها إذ إنه ليس طارئاً، بل «كان أبوه منذ زمن قد بدأ بمهنة الشاويش في المنطقة» يقول صاحب الأرض. هكذا، تغذت «مهنة» الشواويش على النزوح السوري ولا سيما في البقاعين الغربي والأوسط حيث السهول الزراعية الخصبة. صار سهلاً على الشاويش تأمين مجموعات عماله من الأطفال، بعدما ارتفع عدد المخيمات العشوائية من ١٥٠ إلى أكثر من ٨٠٠ بحسب مصادر في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة.
يحين موعد الاستراحة لتناول الطعام. يجلس الأطفال على شكل مجموعات صغيرة، في نقاط متباعدة. تقضم غدير البندورة الى جانب سندويش الجبنة، يلمع فمها من أثر البندورة، تحافظ على ابتسامتها الرقيقة. هذا الفطور ليس دائماً، إذ يكون أحياناً مناقيش يعدها أصحاب الأرض لعمالهم الصغار، وهو ما يعتبرونه بادرة لطفٍ وشفقةٍ تجاه الأطفال.
لا تنكر غدير أنها متعبة «أنا أكره هذا العمل. يتعبني كثيراً قبل الذهاب إلى المدرسة، لا ألعب طوال النهار ومن حقي أن ألعب». يندر أن تجد طفلاً في هذه الحقول يتحدث بهذه الطلاقة عن بديهيات طفولته. فخلافاً لغدير، تحدّث ماجد،

الشاويش صلة وصل بين المخيم والجمعيات العاملة في ملف النزوح

من الرقة، بإيجابية عن الشاويش شلاش «لا يقسو علينا، أنا أعمل هنا لنسدّد دين العائلة للشاويش وهو مليونا ليرة لبنانية تقريباً». حساب بسيط للأجر وعدد الأيام، يفيد بأن على ماجد قضاء عطلته الصيفية أو موسم دراسته عاملاً ليسدّد دين أهله. تتفاوت «رواتب» الأطفال، لكنها في أعلى مستوياتها لا تتجاوز ستة آلاف ليرة، مقابل ست ساعاتٍ من العمل الشاق على الكبار، فكيف بهم؟ التجول في هذه المخيمات قد يوضح بعض الأمور. فقروض الشاويش قد تكون ثمناً لصحن ستلايت مثبت عند باب الخيمة، أو لخضرٍ وفاكهة يشتريها ويوزعها حين تزور شاحنة الخضر المخيم، أو ملابس عتيقة يشتريها النازحون ويقترضون من الشاويش ثمنها.
لا يجد شلاش حرجاً في شرح فضائل مهنته «نؤمن خيمةً للعائلة ومأكلاً ومشرباً، هذا هو شكل المعيشة هنا، ومن يعش مرتاحاً لن يرسل أطفاله للعمل هنا». في مختلف التجمعات غير الرسمية للنازحين، لا يعيش الشاويش حياةً بشروطٍ أفضل بكثير عن النازحين. يسكن مثلهم في خيمة، لكنه يكون موجوداً في لبنان قبل إنشاء المخيم، وغالبيتهم كانوا موجودين قبل الأزمة. لا يستمد سلطته المعنوية من قروضه فحسب. فالشاويش هو صلة الوصل بين المخيم والجمعيات العاملة في ملف النزوح، من أكبرها وأكثرها تمويلاً إلى أصغرها. أحياناً يقدم طلباتٍ للعائلات الوافدة حديثاً إلى تجمع النازحين الذي يديره، أو يحدد للهيئات الإغاثية حجم النواقص والمطلوب من مراحيض نقالة وغير ذلك. هو حاكم المخيم بطريقة أو بأخرى.
تتحدث مصادر في مفوضية اللاجئين بلغةٍ رمادية عن ظاهرة الشاويش. فهي إذ تقر بأن عمالة أطفال المخيمات أمر مرفوض، ترضخ للواقع المعيشي، وضرورة عملهم لإعانة أهاليهم. تسعى مفوضية اللاجئين وغيرها إلى تعويض الأطفال عن عدم الدراسة وفقاً للمناهج الرسمية، عبر إدراجهم ضمن برامج تعليمية غير رسمية. هذا التعليم لا يقنع غدير، تتوقف عن القطاف بعد أن يسمح لها شلالش بذلك. المدرسة التي يبدأ دوامها بعد الظهر في غزة بالبقاع، هي زيادة في تعبها كما تقول. تشرب من إبريق كان مرمياً في التراب، يتناوب الأطفال على الارتواء منه كلما أنهكهم العطش.
في لبنان أكثر ٤٠٠ ألف طفلٍ مسجلين على قوائم النزوح، باستثناء غير المسجلين الذين يعدون بمئات الآلاف أيضاً. لا تملك مفوضية اللاجئين تكاليف تدريسٍ إلا لمئة ألف منهم. في المخيمات ولا سيما البقاعية منها، يبدو الشاويش الشخصية الأقوى. يشارف يوم العمل على نهايته، عشرات الأطفال ملأوا الشاحنات بصناديق البطاطا. سوف ينتهي موسم القطاف مع اشتداد الشتاء، لكن موسم شقاء غدير وأترابها لا ينتهي. ربما تكون غدير وماجد وغيرهما من الأطفال، على موعدٍ مع أعمال البناء بمختلف درجات تعبها، حين يتوقف القطاف. لن يتبدل أجرهم الزهيد جداً. يدفع أهلهم الذين يدفعونهم إلى العمل ٢٠٠ دولار سنوياً، كبدل إيجارٍ لصاحب الأرض التي ينصبون فوقها خيمة اللجوء. يسددها الشاويش عنهم، ويستعيدها من تعب الأطفال.