يُحل مجلس الأمناء لمؤسسة محمود درويش المشَكَّل من مثقفين وكتّاب، بمرسوم رئاسي، كما شُكِّل بمرسوم رئاسي.

القرار ليس سياسياً كما يقال، لكن سيادة الرئيس كما هو معلوم السياسي الأول، لكني لا أظنه المثقف الأول ولا المعلم الأول كما في بعض البلدان. بالتالي هل تشكيل مجلس أمناء المؤسسة الثقافية الأهم في فلسطين بمرسوم رئاسي، يعني أن الثقافة ارتهنت لما يطيب للرئيس أو الإدارة السياسية؟
أذكر أني قابلت مسؤولاً فلسطينياً كبيراً في الضفة الغربية عام 2012 في منطقة أريحا، وسألته حينها "مستغرباً أني أقف جوارك، وأتيتَ بلا حرس ولا حشم"، فأجابني حينها، "لن تكون فلسطين كما باقي الدول العربية"، وأضاف أن "المعارضة فازت في الانتخابات التشريعية"، ويقصد الانتخابات التي أدت إلى الانقسام والاقتتال لاحقاً، و"طرد" فتح من غزة، واستفراد حماس بها.
بعضنا نحن الذين في الشتات وصلنا إلى مكان، نفاخر فيه بالحالة الثقافية الفلسطينية وما تنتجه، فقبل أيام أغلق معرض بيروت الدولي للكتاب، وكان حافلاً بالتواقيع الكثيرة للكتاب الفلسطينيين، كذلك كانت العناوين الفلسطينية موجودة بكثرة، وكلها جديدة، ولها من يتابعها، وجزء من هذا الواقع في مكان ما يعود فضله إلى مؤسسة محمود درويش، وواقع المؤسسة ما كان ليكون على ما هو عليه لولا الشاعر غسان زقطان والروائي يحيى يخلف والقاص والروائي محمود شقير والشاعر خالد جمعة والكاتب طلال عوكل والموسيقار رمزي أبو رضوان، وأحمد درويش شقيق الشاعر، وأسماء أخرى هي قامات ثقافية فلسطينية نفخر بها، ونتمنى لها دوام العطاء.
القرار لاقى انتقادات واسعة، ويقال إنه يستهدف أول من يستهدف مسؤول المجلس ياسر عبد ربه، وليكن ذلك، ماذا عن البقية؟ وإن كان الـ 25 اسماً الذين عُزِلوا أو فصلوا هم من أهم المبدعين الفلسطينيين، فمن سيحلّ مكانهم، هل من مثقفي "النص كم"، وبالتالي لا بدّ من السؤال عن مصير صرح الثقافة الفلسطينية الحالي، "مؤسسة محمود درويش".
الشاعر غسان زقطان كتب معلقاً على المرسوم الرئاسي: "الحقيقة أن علاقتي الطوعية بالمؤسسة كانت استكمالاً لصداقة عميقة وطويلة مع الراحل الكبير محمود درويش، صداقة لم تخضع للمراسيم ولم تأتِ عبرها".
الكاتب الفلسطيني الكبير محمود شقير اعترض على القرار وهو أحد أعضاء مجلس الأمناء وكتب قائلاً: "من حقي أن أعترض لأنني لم أعرف عن حلّ مجلس أمناء مؤسسة محمود درويش إلا من مواقع التواصل الاجتماعي. كان يمكن أن تتم الأمور، إن كان لا بد من ذلك، على غير هذا النحو، من باب الاحترام للديمقراطية الفلسطينية، ومن باب التقدير لثقافتنا الوطنية، ومن باب حفظ كرامة مثقفين وفنانين وإعلاميين بارزين، ووطنيين مرموقين في مجلس الأمناء، وأكتفي هنا بذكر اسم: رامز جرايسي الذي حمل الراية من الراحل الكبير الشاعر توفيق زياد، وأخذ الناصرة إلى ما يليق بها من عز وفخار".
أما شقيق الشاعر الكبير أحمد وهو من مجلس الأمناء أيضاً ممثلاً العائلة، فقد اعترض بدوره، واعتبر المرسوم الرئاسي مسّاً بمكانة محمود درويش وكان هذا الأمر يتطلب التشاور المسبق، لا سيما أن متعلقات محمود دوريش وإرثه الشخصي هي أمانة موجودة في المتحف وفق اتفاق إعارة.
كذلك أحمد درويش شقيق الشاعر، اعترض على المرسوم، ورفض وضع اسمه في مجلس الأمناء الجديد، رافضاً بحسب تعبيره "أن يكون المتحف وسيلة لتصفية الحسابات الشخصية".
تلك كانت بعض الآراء من بعض المعنيين بالأمر، أو من مسّهم بشكل أو بآخر، وبالطبع فالموضوع يعني كلّ فلسطيني، كون الثقافة هي الحامل الوحيد اليوم لهوية شعبنا، وهي المعبر الأدق عن براعة الشعب في انتفاضته بوجه الاحتلال.
وكونه لا بد من ختام لما أكتب، فأختار الخاتمة من قول للناقد الفلسطيني المعروف فيصل دراج: "لا تفعل الثقافة في مجالها بشكل صحيح إلا إذا اتّكأت على وعي سياسي صحيح والعكس صحيح وضروري".