شعورُ مروّعٌ، مسيطرٌ و مستفزّ، كان يتملّكني في كلّ صباحٍ أفتح عينيّ فيه لشمسِ غير شمس بلدي، فأرتعش بحثاً عن دفئها، أتلمس التراب تحتي، لا شيْ هنا يشبه حيفا، لا شيء فعلا، لا كتب الله لك مفارقة أحد، ولكن، في حال فارقتِ، لا تصدّقي كلّ المتفلسفين الذّين سيقولون لكِ بأنّ الليل هو الأقسى على العشّاق المتفارقين، تستطيعين الهرب من الليل بغفوة، لكنّك لن تستطيعي ألّا تستيقظي..

كانت الأخبار من فلسطين تصلنا متقطّعة، لا ندرك صحيحها من خاطئها، أخبرنا أحد القادمين من حيفا بعد أسبوع من وصولنا إلى عين الحلوة أنّ أبي قد قُتل في إحدى المواجهات مع العصابات المسلّحة على الحدود، ثمّ سرعان ما تبيّن أنّ أبي لا يزال حيّاً وأن الرّجل قد التبس عليه اسم الشهيد!! لقد دفعنا من أعصابنا وصبرنا أكثر من كلّ ما لم نفتئ ندفعه من دمٍ وممتلكات في هذه الحرب المستبدّة! كان إسم والدي يحرّك في داخلي كلّ ما كان يقتله إثناعشر يوماُ من التهجير واليأس.. والموت! لم أكن أعرف قبلها، ولا شكّ من انني كنت أصغر ممّا ينبغي كي أعرف أنّ الموت هو ليس ذلك الذّي يحوّل النّاس في حياتنا إلى جثثٍ تحت التراب يخطف نفسه ويوقف قلبه، صرت أعرف أشكا لاً جديدةُ للموت، أشكالا حضارية تدرس في المؤتمرات العالميّة ويسنّها قادة هذه المؤتمرات فوق موائد النبيذ الأحمر، صرت أعرف أن الكثير منّا يموت وهو حيّ، يُسلب ذاكرته مرغماً فينقطع بذلك الشريان التّاجي للرّوح، فتحدث الوفاة، لا أعلم كيف جُرِرنا كثيراٌ للعلوم والطبيعيّات ونسينا أن الروح تموت أيَضاً! تموت فعلاُ، تموت أحياناً، وتُدفن في الغربة حيّة..
كان إسمي والدي عريقاُ بحجم مدينة، ووطن، وشعب، تماما كإسمكِ! فقد كان اسم والدي كفيلاٌ بأن يستحضر إلى عينيّ كل الوعود كل الأحلام كلّ الشهداء الذّين ظلّوا يرتادون منابر الثّورة بعد موتهم، والذين لا يزالون يعبرون النيران بأكفانٍ من ورقٍ فلا يحترقون، كلّ الذّين يعبّدون بمقلهم الطرقات إلى حدائق الزمرد الأحمر ويفتحون بوابات الشّتاء في الصّيف فيروون جفاف الأمل في داخلنا.. كلّ الذّين كانوا ولا زالوا يزرعون الشمس في حقول يافا وحيفا وجنين فتزهر سنابل من نارٍ تشتعل في وطأة الأرجل الدخيلة،، ظلّت فلسطين تحيى في عيونهم ظللنا نراها في صورهم وفي جثثهم حتّى آمنّا بأنّ الله قد جبلهم من طينها كلّما حاول أحدُ انتزاعهم عنها نموا فيها من جدي.