لطالما كنتُ أريد أن أدخل كي أجلس في غرفة جدتي "سودة" الشتوية. كان لجدتي غرفتان للجلوس عادةً، الغرفة القريبة من "المنور"، حيث تقع حديقتها الصغيرة؛ والغرفة الداخلية التي تطل على المطبخ. كانت الأولى صيفية تجلس فيها خلال أيام الصيف حتى الربيع، ذلك أن النباتات والمنور القريب من رشاش المياه المتناثر هنا وهناك من جراء السقاية تجعل المكان رطباً طوال الوقت في ذلك الفصل الحار. أما في الشتاء، فكانت الغرفة الداخلية هي الأكثر دفئاً لربما لتوسطها المنزل، أو حتّى لأنَّ "سودة" كانت تفعل المستحيل كي تبقي تلك الغرفة "دافئة" قدر المستطاع.

لم تكن جدتي تحبّذ كثيراً الدخول الى الغرفة والخروج منها؛ كانت تكره فتح بابها حتّى في الشتاء؛ كنا كلما دخلنا إخوتي وأنا إلى الغرفة نقع ضحية الصراخ: "سكّري الغرفة ولي"؛ كانت هذه الصيحة جزءاً من الترحاب، وصرخة "سكري الباب وراكي وإنتي رايحة" هي نداء الوداع. لكن ذلك كلّه لم يكن أهم شيءٍ في الغرفة، كان "المنقل" أو الكانون كما تحب جدتي أن تسمّيه هو أهم شيء في هذه الغرفة، كان هذا الكانون في الأصل من الأشياء القليلة التي أصرت جدتي على أن يعود جدّي لإحضارها معه من فلسطين. كانت قصّة هذا المنقل مدهشةً للغاية؛ قلةٌ يعرفونها، لكنها تستحق الرواية: كان هذا المنقل لجد جدتي، كان الجد كريماً للغاية، وبيته مفتوحاً للضيوف، لم يكن غنياً جداً، لكنه كان معطاء، لذلك كان تجار المناطق المختلفة كلما أتوا إلى منطقتهم يذهبون إليه ليناموا عنده ويأكلوا أطيب الأطعمة كرماً منه. كان هذا الكانون جزءاً من منزله؛ جزءاً لا يتجزأ، كانون من الحديد والنحاس المطلي، كبيرٌ مستطيل الحجم، تزينه أربعة أعمدةٍ، يزيّن كل واحدٍ منها رأس أسدٍ يزأر؛ فوق هذا كان ثقيلاً للغاية. حينما خرج جدّاي من قريتنا عام 1948 لم يحملا إلا القليل القليل. جدتي سودة قضت أكثر من شهرين في "نقارٍ" حاد مع جدي على أن عليه أن يعود إلى القرية ويحضر شيئاً واحداً فحسب، ويترك الباقي لو أراد: الكانون. كان هذا الكانون جل ما أرادته "سودة"؛ كان الرابط الوحيد مع عائلتها بأكملها.
بالطبع، نحن لم نعرف أبداً هذه الحكاية إلا متأخرين. كان هذا الكانون يمتلئ كل شتاءٍ بالأطايب الشتوية المعروفة: بطاطا حلوة، كستنا، وسواها من الأطايب التي لم نكن لنراها كل يومٍ في منزلنا. سودة لم تكن تحب المتطفلين ــ حتى ولو كنا نحن ــ كانت تسمح لنا بالدخول لتنفيذ ما تريده منا، بعد ذلك كانت تعطينا بعض ما تشويه على الكانون، لم نكن نأخذ كفايتنا، وحينما كنا نطلب كانت تصرفنا بسرعة ومن دون أن تفكّر كثيراً بما نريد قوله. كان مشهد جدتي وهي تجلس إلى جوار الكانون تشوي الأشياء وتتأمل النار مشهداً مهيباً بحق. كانت تجلس هكذا شتاءً بأكمله، لا تتكلم كثيراً، أو لربما حتى لا تتكلم إلا قليلاً من جملٍ تحكيها حينما تأتي إحدى صديقاتها لزيارتها. هكذا كان شتاء سودة.
خلال العطلة الشتوية في المدرسة، كنا نسعى للحصول على أكبر قدرٍ من الأطعمة المفضّلة لدينا، وكانت جدتي هي الحاجز بيننا وبينها، لذلك كنا نسعى بكل قوانا لجعلها تبتعد عن الغرفة وعن الموقد. كنا نفكّر لِمَ لا تسمح لنا بأخذ أكثر من حبةٍ أو اثنتين؟ لِمَ وحواف الكانون ممتلئةٌ بحباتٍ أخرى؟ لم نكن لنفهم أبداً سر ذلك، كنا نعتقدها بخيلة أو لئيمةٍ. خلال تلك العطلة الصيفية؛ قررنا أن نخرجها من الغرفة بالقوة، وهذا لا يعني أن نطردها منها، بل أن نفعل ذلك بالحيلة، أن نرمي قطعة نايلون صغيرة في الكانون، ما يجعل الرائحة قوية للغاية فتضطر إلى الخروج. فعلاً هذا ما حصل، خرجت جدتي سودة من عزلتها ونامت ليلتها تلك في الدار؛ فسرقنا أنا وإخوتي كل ما كان على الكانون من أطعمة وأطايب. لربما، كانت تلك الليلة واحدةً من أجمل ليالي الشتاء بالنسبة إلينا. في اليوم التالي، نقلت سودة إلى المستشفى كونها لم تحتمل برودة الغرفة. على سرير المرض في المستشفى، جرّنا والدي لزيارتها، كانت تلك الزيارة بمثابة واجبٍ أكثر من كونها أمراً قائماً على المحبة أو الحب. جدتي التي كانت حالتها آخذة في التحسّن، قالت لوالدتي بصوتها الخفيض: ارجعي شغّلي المنقل، حطّي كستنا وبطاطا حلوة؛ بركي الناس إجو. والدتي لم تفهم؛ فسألتها: ليش مين بدو يجي؟ وبنفس صوتها الخفيض أكملت سودة: "كلهن بيرجعوا؛ محمد وحسن وأبوي وجدي؛ لازم يلاقوا شي يوكلوه؛ عيب ما يلاقوا، عيب".