"روح اسأل بيت الدوابشة عن التعايش"، صاح أحد الطلاب الفلسطينيين الذين منعوا المطبّع المصري عمر سالم من إكمال محاضرته، بعد استضافته في جامعة حيفا. عمر سالم الذي يتولى منصب عميد كلية الحقوق في جامعة القاهرة، معروف في أوساط دعاة التطبيع بأنّه "حقوقي" ومدافع شرس عن فكرة التعايش العربي الصهيوني، وأحد جهابذة دعاة السلام مع إسرائيل.

إذن، حلّ عمر سالم ضيفاً على جامعة حيفا بدعوة إسرائيلية لمناقشة كتابه "السلام الضائع". دخل بكامل أبهته الى القاعة شبه الخالية إلا من بعض الطلاب الذين بدوا منتظرين لتحفته السياسية بفارغ الصبر. انطلق سالم في حديثه انطلاقة الواثق المطمئن الى الحضور، والمرتاح لوجوده في جامعة "إسرائيلية"، ممتلئاً بنشوة التسويق لكتاب جمع فيه كل أفكاره النيّرة وحججه الدامغة في شؤون التطبيع بين العرب والصهاينة. لم ينتبه المحاضر الدكتور في الحقوق، وعميد كليتها في جامعة القاهرة، إلى أن بعض الطلاب الحاضرين هم من أبناء الارض الأصليين.
علا صوت ثم أصوات في القاعة بلهجة فلسطينية لا تشبه إلا أرضها. أصوات، لو كان لعمر سالم قليل من الحياء والكرامة، لتجمّد خجلاً عند سماعها. حاول أن يتابع حديثه مرتبكاً، بعد أن لاحظ أن لا أحد من الحاضرين الصهاينة تبرّع بالدفاع عنه... ربما، في تلك اللحظة، شعر، ولو لبرهة، كم أن العمالة جعلته رخيصاً وفاقداً للاحترام في عيون شباب فلسطيني لم يرفع علم أي تنظيم، وغير منضو تحت أي لواء حزبي أو تعبوي إلا اسم بلاده، شباب بفطرته أدرك أن دربه واحد، ولم يتمكن الاحتلال، لا بالترهيب ولا بالترغيب، من أن يحيّده عن اقتناعاته. تلك الاقتناعات بأن الكيان الاسرائيلي زائل، وأن هذا الزوال لن يتم ويكتمل إلا بالمقاومة. لا بد أنه شعر أيضاً برخصه في عيون الصهاينة، سواء إداريي الجامعة أو طلابها الذين حتماً هزئوا بإحراجه.
وقف عمر سالم عارياً من كرامته. لم تعطه صفة الدكتور حصانة أمام انتفاضة طالب يعرف أن الحق وأن الوطن فوق كل شيء. قالوا له أن يسأل عائلة الدوابشة، عائلة الشهداء، عن التعايش. هزئوا به وجعلوه وأفكاره التطبيعية "فرجة وعبرة". هؤلاء الشبان والشابات الفلسطينيون لم يفعلوا ما فعلوه على سبيل الاستعراض. هم يدركون معنى ما فعلوه، وجاهزون لدفع الثمن الذي قد يبدأ بتحقيق لدى شرطة الاحتلال ولا ينتهي بأقل من اعتقال. لكنهم شباب هذه الارض التي تنجب أبطالها وتوزعهم في كل الميادين، من مهندسي المتفجرات، الى رماة المولوتوف، من صانعي القوة ولو بسكين، الى رماة الصواريخ ولو من خلف حصار... من صوت يخبر الارض عن سيدتها فلسطين الى صوت يُخرس كل عميل.
وبعد، حلّ عمر سالم ضيفاً على جامعة حيفا وعاد. ذهب إليها كاتباً ومحاضراً في فكرة ظن أنها ستجد في فلسطين أرضاً خصبة، وعاد مطأطأ الرأس ذليلاً... تماماً كما يليق بمطبّع مع عدوّ متوحش ومريض.