كل سنة، ومع اقتراب عيد الميلاد، تنتشر صور بابا نويل واقفاً على جدار الفصل قرب بيت لحم، وصور أخرى للمسيح معتقلاً أو لاجئاً. ودائماً ما نقول لو أن عيسى بن مريم قد ولد في عصرنا لكان لاجئاً في عين الحلوة أو شاتيلا أو برج البراجنة. وطبعاً نتخيّله لاجئاً في لبنان، لأن معظم فلسطينيي الجليل والشمال قد لجأوا اليه. وإذا كان لا بد للطقس "التخيلي" أن يمارس كل سنة مع ذكرى ولادة ابن الرب، فإني أخذت على عاتقي إسقاط مشاهد من الحياة اليومية للاجئين على ابن العذراء.

مرّ عليه السلام بعد أسبوعين من انفجار عين السكة في ضاحية بيروت الجنوبية على حاجز للأمن العام اللبناني. كان يدفئ رقبته بكوفية "كول" صفراء. استغرب الدركي عندما قال له إنه آت من الحمرا، فسأله الى أين ذاهب؟ أجابه عيسى بأنه في طريقه لزيارة أمه العذراء في أول شارع بعجور. وبعد صمت للحظات، يسأله الدركي مع ابتسامة بلهاء "لبناني أو سوري حضرتك؟". ويزداد الموقف إرباكاً عندما يجيبه بأنه فلسطيني، وبعدها يتجه الى التدقيق في الاوراق وتفتيش السيارة، وأخيراً "الله معك ــ يعطيك العافية".
وفي رواية أخرى أن عيسى قرر الزواج من لبنانية أحبها وأحبته، فالدين محبة. غريب أن يتزوج المسيح، لكنه مضطر بعد إلحاح الوالدة عليه، فمعركتنا مع من صلبوه معركة وجود وديموغرافيا. ويقال إنه بابتسامته المتسامحة كالعادة واجه غضب زوجته من سؤال إحداهن عن أسباب زواجها بفلسطيني.
وفي الاسفار يذكر أن عيسى عليه السلام شكّل مجموعة من اثني عشر مقاتلاً لتهريب السلاح الى فلسطين قبل إحكام إقفال الحدود بين البلدين. ويقال إنه بعد ايلول الاسود اعتقل المسيح مع عدد من تلاميذه بعد أن وشى بهم أحد أعضاء المجموعة. مقرّبون قالوا إن الواشي أصبح ذا شأن وجاه بعد مساهماته في محادثات الاستسلام. ولكن عيسى رفض الحديث في الموضوع بعد خروجه من المعتقل حفاظاً على سمعة الثورة.
يقال إن عيسى لدى عودته من الاردن الى المخيم في لبنان، اضطر إلى التخفي خوفاً من حواجز اليمين اللبناني كي لا يقتل على الهوية، وكي لا تصبح أذناه "سوفونيراً" لدى القائد أبو الدينين (أذنين) على حاجز البربارة في الشمال. ربما "زمط" لأن شكله لا يوحي بأنه فلسطيني، خصوصاً بعينيه الملوّنتين وشعره الاشقر الذي يجعله شبيهاً بأبطال هوليوود في السبعينيات. ربما الرب خلقه على هيئة الرجل الابيض ليخفف عنه عذابه في الدنيا؛ فلو خلق على هيئة "كل الفلسطينيين" أسمر بشعر مجعّد، لأصبح من عداد آلاف المفقودين الذين تحولوا الى صور وقصص غير مكتملة.
في الثمانينيات، وتحديداً خلال حرب المخيمات، أحسّ المسيح بالعجز للمرة الاولى. وقف حائراً في حاكورة بيته حين كانت زوجته تخبز رغيفين بما تبقى لديها من قمح الاعاشة. لا يعرف كيف يخبرها أن أخيها قد نزف حتى استشهد قرب مدخل مخيم الرشيدية قرب صور. قناص من حركة أمل أطلق النار عليه، وتقصّد عدم قتله. بعدها أطلق النار على كل من حاول إسعافه.
يؤكد أبناؤه أنه أدار خدّه الأيسر بعد "الكف الذي تلقّاه" على خدّه الأيمن، لأنه تعوّد كفوف إخوته التي تنهال عليه "الواحد تلو الآخر". فالضربات التي تلقاها كانت كسيارات مسرعة على الأوتوستراد، إن نظرت الى يمينك قد تنجو مرة، لكنك إن استدرت يساراً ستنجو مرتين.
حياة عيسى الآن هادئة، لا تعرف تفاصيلها في ضجيج الحروب. قد تسمع أنه أحرق نفسه في سيارة الأجرة التي كان يعمل عليها في شوارع بيروت، أو أنه هاجر على أحد قوارب الموت باتجاه أوروبا. وقد يقال إن ساقه قد بترت بفعل مرض السكري الذي أصابه، وبعد عجزه عن تأمين العلاج، أو أن سقف بيته قد سقط عليه ذات ليلة عاصفة، أو أن صاعقاً كهربائياً قد حرق جسده في أحد زواريب المخيم. لكن زوجته تقول إن الجنون قد مسّ ابن الله، فما زال يهذي بأمه العذراء كلما رأى شهيداً أو شهيدة تسبقه الى حضن والده.

*إن الشخصيات الواردة في النص أعلاه غير خيالية وتمتّ إلى الواقع بصلة