تترك ظلّك الملون بنتوء البيت، وشبابيك غرفتك التي تعجّ بصور الأبطال والشهداء، وتترك كل حنين جيرانك الطيبين، فتحمل صرة ملابسك العتيقة وبعضاً من قصاصات الورق المهترئة التي سجلتَ عليها بعض ملاحظاتك وأرقام هواتف ربما لم تَعُد تعمل، تحملها في جيب بنطالك المثقوب والمرقّع بعشرة ألوان من بقايا قميص أخيك الأكبر، وتسير فرحاً كمن يضع بعض النقود في معطفه ويخرج متسوّلاً للفرح.
ٍتبحث عن وجهتك في الحياة، فترتطم في الزوايا الخالية والمهجورة في آخر الشارع، وتصطدم ببعض الأصدقاء الجدد التائهين مثلك تماماً، وتسأل نفسك كما تسألهم أين سنُلقي بجثثنا هذه الليلة؟ وأيُّ أحذية ستكفي وسادات لحلم معذب بنّا، وأيّ قصص ستليق ببؤسنا الملوث ببعض الشقاوة التي أفرطنا بها في المدارس، وقت الهروب من الآباء.

هي الرحلة المزخرفة بكل تضاريس الحب والوجع، وكل تضاريس اللاجئين أو من تبقى منهم في المخيم... هي رحلة التزلج في تفاصيل الطفولة قبل أن تكبُر، وقبل أن يكتشفها الطغاة حينما كانت تشجُّ القلوب بالألفة والسلام، وقبل أن يقتحمها الرصاص والغاز المسيل للدموع، وكبُرت قبل أوانها وكأنها تُطيح بهم عن الغيم ليسقطوا في قعر الشوارع بعد أن عَلَوا كثيراً ورسموا شبابهم العاشق للجارات؛ فهنّ الأقرب مساحة والأقرب شبابيك وأبواباً لبيوتهم، وغرفهم المزدحمة بالأخوة والأخوات.
كان سيدرس الفيزياء لأجلها، وسيطلب دفترها ليضع فيه رسالة حب أو وردة مسروقة من الحي، كان سيخط لها بقلم الحبر الأحمر بعض الجمل الملغومة: أمامك حظك المثقوب باللازورد، وأمامك طريق تفرشه الياسمينات التي زرعناها معاً في آخر مرةٍ كنّا فيها أطفالاً، وعلى آخر الممر ينتظرك رجل يقتحم شعره بعض الشيب، ويمشّطُ لك أيامك من الغبار والملل…
لكنه كبُر قبل أوانه، وفشلت كل خططه؛ التي رسمها جيداً، وصارت كوابيسه موجعة، وأحالته لما هو عليه الآن: مشردٌ من دون قلبٍ ومن دون بوصلة، ومن دون أقل احتمال للحب، وأينما أشاح بوجهه يلاقيه المخيم من حيث يسير، فلا مفّر من ذاكرة الطفولة المدرعة باللانسيان...
المخيم ليس موجوداً فقط في بيوته يا صديقي، وإنما هو حالة من الركام العاطفي يرتطم القلبُ بها فتصبح جدراناً من "الاسبستو" والزينكو. المخيم ليس ببيوته الرمادية، وإنما بما يضج بها من ألوان داخل غرفها الصغيرة، والكثير من المحاولات اليائسة في توضيب غرف الضيوف وملئها بالورود المجففة.
مهما حاول أن يغيّر ترتيب زمنه، وأن يهرب من واقعه المأزوم، في أحلامٍ ببيتٍ صغير تحيط به أسوار وشجر، وقطعة أرض زائدة عن الحاجة ليلعب أطفاله المنتَظرون بها، فاجأته الحقيقة أن لا مكان له غير مساحة تليق بجسده من دون أي تهوئة أو مجال للالتفاف على إحدى جانبيه، ولا بيتاً يأويه من دون أن يُثقل عليه بما يحاول نسيانه.
هذا هو المخيم يا صديقة، بين الحين والآخر، لا يتغير إلا بين أحلامه وأفكاره، تارة يلونه، وتارة أخرى يمسح عنه كل ألوان الحياة لينضح بالضجر والملل.