في كل الصراعات والحروب، يتخذ موضوع الأسر بعداً خاصاً وحساساً. فالأسرى يشكلون دوماً نقطة يسجلها أحد طرفي الصراع على الآخر، نقطة ابتزاز وانطلاقة تفاوض تنتهي غالباً بتسويات تحتّم على الجهة "المأسور منها" تنازلات قد تبدو بشعة وغير مقبولة. أمّا في حالة الأسرى لدى العدوّ الصهيوني، فالأمر مختلف تماماً. يختطف "الإسرائيليون" في فلسطين كل من يجدون فيه "شبهة" المقاومين... نعم، شبهة، في ظل سلطة تتآمر ودول تندّد بعمليات المقاومة. بالمختصر، كل فلسطيني غير متعامل مع العدو الإسرائيلي في الأراضي المحتلة معرّض للأسر والاعتقال في أيّ لحظة، في بيته أو في الشارع، في الجامعة أو في مركز العمل. ولا يوجد أيّ رادع أو صفة تمنع هذا الاعتقال ولا حتى معايير معيّنة تتعلق بالجنس أو العمر أو الحالة الصحية أو الاجتماعية.

يقبع في المعتقلات الإسرائيلية المسماة سجوناً مئات من الأسرى والأسيرات، بعضهم يقضي ما يسمى "حكماً" حكمت به محكمة إسرائيلية، وكثيرون وكثيرات هم رهن ما يسمى بالاعتقال الإداري، من دون اتهامات محددة ولا محاكمة. وعندما نقول أسيرات، تحضر صورة مرام رامز عبد حسونة، الشهيدة المحررة مؤخراً من الأسر، ابنة العشرين حلماً، وشهيدة الصباح الذي سبقتها إليه اشرقت قطناني وقبلهما عمر وتاريخ من شهداء وشهيدات، من أسرى وأسيرات.
أكثر من 15 ألف امرأة فلسطينية حملت صفة "أسيرة" منذ أول أيام الاحتلال الى اليوم، حسبما تشير جمعية نادي الأسير الفلسطيني، بعضهنّ خرجن شهيدات وبعضهن بقين جثامين مأسورة وكثيرات عدن بحكايات الأسر التي تجعل منهن أكثر صلابة، أكثر قناعة وأكثر قدرة على مواجهة الاحتلال.. الأجمل، أن واحدة منهن لم تخرج شاكرة عدوها.
في الأسر عند الصهاينة، يواجه الأسرى ظروفاً لا تكاد تتسع لها مخيلة. التعذيب والاعتداء والترهيب والحرمان ليسوا سوى جزء بسيط مما يواجهه من يعتقله العدو الإسرائيلي. أما الأسيرات فيواجهن عذابات تضاف الى كل ذلك. بعضهن أنجبن أثناء الاعتقال وبعضهن تعرضن لابتزازات تتعلق بأطفالهن الموجودين خارج الأسر. معظمهن يتعرضن للاغتصاب وكل مفاعيله الجسدية والنفسية التي ترافق الأسيرة حتى بعد خروجها من الاعتقال. كثيرات منهن تخرجن الى المجتمع ليخضن مواجهات شرسة بظلّ نوع من "العداء" الذي يحمله ضدهن، ولو سراً، العديد من المحيطين بهن لاعتبارات ذكورية وتقليدية. وكثيرات أيضا يعدن ويبنين عائلات أو يكملن بناء قطعته فترة الأسر... يربين أطفالهن بوعي أكبر على ضرورة أن تبقى هذي البلاد ولّادة فدائيين وفدائيات... نساء كثيرات في بلادنا واجهن الأسر لدى الصهاينة. من سهى بشارة الجنوب الى شيرين العيساوي فلسطين، في مجتمع يصفون فيه كل فعل بطولي بـ "المرجلة"، ولم تخرج أسيرة الى الحرية شاكرة لعدوّها! ربما، في ذلك عبرة، عبرة تقول إن كل أسير مقاوم، رجلاً كان أو امرأة، طفلاً أو طفلة ، هو حرّ حدّ مواجهة العدو حتى بأيدٍ مغلولة... هؤلاء، هؤلاء فقط هم أبطالنا في الاسر.. وأبطالنا المحررون من الأسر.