الجليل | "في اللغة العربية اليهودية استعملت كلمة الشام كلقب لدولة اسرائيل" كانت هذه الجملة ضمن الوصف الأولي الذي استخدمه القائمون على "مهرجان الشام "مذاقات وقصص من المطبخ العربي" في بلدية حيفا للتعريف بمهرجان السنة الذي يقام ضمن "عيد الأعياد".

مهرجان "عيد الأعياد" الذي تقيمه بلدية حيفا سنوياً يتزامن مع فترة الميلاد المجيد وعيد الأنوار اليهودي. كل سنة يحمل المهرجان فكرة أخرى وجديدة لتكريس الهدف القديم نفسه: "التعايش"، بحسب ما يقولون، فهم ينادون بالتعايش بين الأديان والطوائف على اختلافها. تُنصب شجرة ميلاد كبيرة، بجوارها شمعدان يعلو مجسماً ضخماً لحمامة بيضاء على الدوار الأول في الجادة الألمانية في حيفا، تبدو الصورة مكتملة على الدوار الثاني المقابل للبوابة السفلى لحدائق البهائيين، شمعدان صغير، شجرة ميلاد صغيرة وهلال صغير، جميعها مضاءة بشكل جميل. أمرُّ من هناك مع بعض زملائي، يسخر أحدهم قائلاً: "انظروا للتعايش الجميل"، أعلّق قائلة إن هذا "تعايش ثلاثي الأبعاد"، نتجهُ الى الجادة الألمانية، تحديداً شارع "بن غريون" الذي ندعوه نحن "شارع أبو نواس".
لم يقتصر احتلال حيفا (وغيرها من المدن الفلسطينية) على احتلال الأرض والمباني، بل تغلغل الى أسماء الشوارع، الى أطباق الطعام وحتى التفاصيل الصغيرة، كضرورة أن تبذلَ جهداً لتقول جملة واحدة كاملة باللغة العربية من دون ان تستخدم العبرية مثلاً!
"مهرجان الشام الأول"، أو "مهرجان احتلال الشام الأول" كما أحبُّ أن أدعوه، خُصِّص لإلقاء الضوء على المطبخ العربي الخاص ببلاد الشام من حلب وحتى النقب؛ كان الحديث يدور عن أطباق تخصّ المطبخ العربي في كل من سوريا، لبنان، فلسطين والأردن، أي بلاد الشام الكبرى. أطباق وقصص، موسيقى وسهرات عربية، وحيث كنت تجد طبق "كبة نيّة" كانت فيروز أيضاً تغني...
"في اللغة العربية اليهودية استُعملت كلمة الشام كلقب لدولة إسرائيل"، هذا ما كان يريد القائمون على مهرجان الشام أن ندوّنه في تفكيرنا، لكنهم قاموا بتغيير الوصف لاحقاً، شاطبين هذه الجملة، بعد أن تنبّه عدد من الناشطين الشباب في حيفا لموضوع المهرجان والهدف المخفي من ورائه، وقاموا بمهاجمة الحدث فيسبوكياً بحملة تعليقات استنكارية ومنشورات ساخرة عادة ما كانت تنتهي بوأد "روح التعايش" التي تحاول بلدية حيفا جاهدة زرعها منذ عقود!
عندما تكون مستعمراً لن يكفيك احتلال الأرض، ستكون هناك حاجة ملحّة لاحتلال الثقافة، والوعي العام لسكان تلك الأرض حتى يصير لهذا الاحتلال والاستعمار شرعية مفروضة.
يجري احتلال الوعي والثقافة على محاور عدة. أولا تندمج في الثقافة المحلية للسكان الأصليين للأرض، تصير منهم وتكتسب عاداتهم، وبعد أن تشاركهم الثقافة لتصير جزءاً مفروضاً عليهم، تحاول تغيير رواياتهم التاريخية بأن تعطي لنفسك مكاناً فيها، ستنتج تاريخاً جديداً أنت فيه، ثم ستتغلغل روايتك الى روايتهم رويداً رويداً، وفي النهاية ستتهمهم بأنهم إنما سلبوا منك ثقافتك الأصلية، وأنت تستعيد ما أخذوه منك وسيصير احتلالك شرعياً. هكذا مثلاً يصير الحمص، الفلافل والكنافة من ضمن الأطباق "الاسرائيلية" المعروفة عالمياً!
"عيد الأعياد" و "مهرجان الشام" الذي خُصِّص للأكل، الموسيقى، والثقافة العربية، لم يكن إلا محاولة بائسة جديدة لفرض واقع جديد، واقع فيه تصير ثقافتنا العربية جزءاً من الثقافة الإسرائيلية الكبرى، حين تصير هناك "لغة عربية يهودية" وتصير "كلمة الشام لقباً لدولة إسرائيل".
حيفا جميلة، ربما هي أجمل مدن فلسطين، لكن حيفا بالنسبة لي ليست إلا تجسيداً حيّاً لكلّ ما هو بشع ومخيف، هي تجسيد حيّ يومي للاحتلال؛ احتلال الأرض وحدها يبدو أقل وحشية حين تقارنه مع احتلال الثقافة والوعي!