«إن دوام الرأسمالية يؤدّي إلى دوام الماركسية. فهما كالتوأم السيامي، إذ إن نهاية أحدهما يعتمد على نهاية الآخر»

مايكل بوراوي

يأتي يوم العمّال العالمي هذا العام متزامناً مع الذكرى الـ170 على البيان الشيوعي و200 عام على ميلاد كارل ماركس. قد يظنُ البعض أن هذه الأعوام المديدة التي مرّت ستجعل من الماركسية شيئاً من الماضي، خصوصاً بعد أحداث نهاية القرن العشرين التي شكّلت صدمة كبرى لا يمكن التخفيف من وقعها. فحتى الذين وقفوا موقفاً نقدياً من الدول الاشتراكية المحققة كانت هذه الأحداث أمراً صعباً بالنسبة إليهم. في هذا الإطار، يقول الاقتصادي في جامعة يال جون رومر، وهو من مؤسّسي تيّار الماركسية التحليلية، «إن الثورة البولشفية كانت أهم حدث سياسي منذ الثورة الفرنسية، لأنها جعلت من إقامة مجتمع مبني على مبدأ المساواة، بدلاً من مبدأ الطمع، حقيقة بالنسبة إلى مئات الملايين، أو حتى البلايين، من البشر للمرّة الأولى منذ 1789».

انغل بوليغان ــ كوبا

صحيح أن الصدمة كانت كبرى، وأن مُطلق نظرية أو أيديولوجيا مُنِيت بهكذا هزيمة لكانت أصبحت على شفير الانقراض، إلا أن إحدى أهم صفات الماركسية هي أنها ليست فكراً مجرّداً أو طوباوياً حول الاقتصاد والمجتمع ينتفي بانتهاء التجربة، ليست مثلها مثل العدد الذي لا يُحصى من التصاميم غير العلمية في جميع مجالات الحياة التي تُلقى جانباً. والسبب ببساطة أنها ليست «تصميماً» حتى، كما رأى رومر، لقيمة سامية كالمساواة. وإنما الماركسية كما قال عالم الاجتماع مايكل بوراوي هي علم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالرأسمالية. يمكن اختصار الأمر بعبارة «الماركسية تعود دوماً لأن الرأسمالية لم تنتهِ». ولقد كان هذا الأمر ساطعاً أخيراً بعد أزمة 2008 حيث عاد طيف ماركس وبقوّة.
اليوم، يبقى البيان الشيوعي، وهو الوثيقة السياسية الأهمّ التي طبعت القرن العشرين، ربّما، في مستوى الملاءمة نفسه الذي كان عليه على أبواب ثورات 1848، إن لم يكن أكثر ملاءمة. يقول المؤرّخ إريك هوبسباوم: «إن ماركس وأنجلز لم يصفا العالم كما غيّرته الرأسمالية في 1848، بل تنبّآ بما كان مقدّراً له، (أي العالم) منطقياً، أن يتغيّر بواسطتها (أي الرأسمالية)»، وبالنسبة له فإننا الآن في الألفية الثالثة نختبر العالم كما غيّرته الرأسمالية أكثر من كلّ الأجيال التي مرّت منذ 1848 وحتى الآن. ما هي هذه الملامح الأساسية؟
اليوم تواجه الرأسمالية تحديين كبيرين: العولمة والتقدّم التكنولوجي. وهذان التحديان يبرزان أكثر ليس فقط من حيث تأثيرهما على تراتبية الدول في النظام الاقتصادي العالمي أو تأثيرهما على النمو الاقتصادي، وإنما يبرزان أيضاً في شكل أكبر من خلال تأثيرهما على عودة أهمّية انقسام الدخل في المجتمع إلى دخل متأتٍّ من العمل (labor income) ودخل الرأسمال (capital income) إلى واجهة الرأسمالية. وكان هذا الانقسام قد أخذ منحى أكثر نعومة خلال الفترة الكينزية ودولة الرفاه الاجتماعي بعد الحرب العالمية الثانية.
ولكن بعد انهيار الكينزية وانهيار الاشتراكية في أوروبا الشرقية ظنّ الكثيرون أن هذا يعني استمرار الرفاه للأكثرية في المجتمع، كما كانت في المرحلة الذهبية للرأسمالية، ووعدت مارغرت ثاتشر غالبية الشعب أنهم سيحصلون أيضاً على الملكية مثلهم مثل الرأسماليين، وبالتالي اعتقدت الأكثرية أنها تعيش في «أفضل العوالم المُمكنة»، إذ تحصل على أفضل ما في الاشتراكية وأفضل ما في الرأسمالية وأفضل ما في الكينزية!
لكن هذه الوصفة «البانغلوسية» سرعان ما انتهت. فكما خاب أمل كانديد، تعيش الأكثرية اليوم في خيبة كبرى مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بعودة هذا الانقسام إلى الواجهة ووعي الأكثرية أنها تعيش في عالم يشوبه استقطاب حادّ، ليس كمّياً فقط بل من حيث الإحساس بغياب الأمان الاقتصادي والفرص المستقبلية. توماس بيكيتي رأى في المعطيات العميقة التي حلّلها أن هذا الانقسام ودينامكيته أعادا الرأسمالية الحديثة إلى رأسمالية العصر الفيكتوري، حيث الدخل والثروة ارتبطا بالسُلالات المُسيطرة بدلاً من ارتباطهما بالعمل والإنتاجية. إلا أن الأمر الآخر، والأهم، أن التقدّم التكنولوجي ودخول العالم إلى العصر الرقمي هو سيكون المحدّد الرئيسي لهذا الانقسام ولسيطرة قلّة قليلة على الدخل في المستقبل أيضاً.
في كتابهما «العصر الثاني للآلة»، يقول إيريك برينيولفسون وأندرو مكافي أن هناك ثلاثة نتائج لهذا العصر الجديد على وضع الطبقة العاملة أو الفئات ذات الدخل المتأتي من العمل. الأول، هو أن نوعية التغيّر التقني الجديد يؤدّي إلى زيادة الطلب على العمالة العالية المهارة وإلى نقصان الطلب في المقابل على العمالة المتدنية المهارة، التي تؤدّي أعمالاً روتينة ذهنية أو يدوية. وهذا سيؤدّي إلى توسّع الهوّة في الأجور بين هذه الفئات ويجعل الفئة الأخيرة، التي كانت ترى أجورها ترتفع باضطراد في الفترة الذهبية للرأسمالية، تواجه تراجعاً كبيراً في مواقعها الاقتصادية. الثاني، تؤدّي التكنولوجيا الرقمية إلى تغيّر جذري في كيفية تقسيم الناتج بين مالكي الرأسمال وبين العمّال. وأن هذه القسمة التي كانت إلى حدّ كبير مستقرّة في السابق، تشهد حالياً انحرافاً باتجاه تزايد حصّة الرأسمال بسبب تراجع التوظيف وتراجع الأجور معاً. أمّا الأمر الثالث الذي يحصل، هو سيطرة أسواق، حيث «الرابح يأخذ كل شيء»، شبيهة بأسواق المشاهير والرياضة حالياً، حيث الفرق الصغير في المهارة يؤدّي إلى فروقات كبيرة في النجاح. وعندما يحصل هذا تزداد عدم المساواة في الدخل، لأن الذين في القمة يبتعدون أكثر وأكثر عن الوسط. ومثال على ذلك أنه فقط 4% من مطوّري برامج الكمبيوتر في اقتصاد الـ Apps حقّقوا دخلاً أعلى من مليون دولار، بينما ثلاثة أرباعهم حقّقوا أقل من 30 ألف دولار فقط. ما يعكس بؤس الاعتقاد السائد أن التكنولوجيا الرقمية هي مساواتية أو ديمقراطية.
كل هذا التقدّم التكنولوجي لم يؤدِّ إلى انخفاض أيام العمل


ولكن هذا ليس كل شيء، فمن المستغرب، أن كل هذا التقدّم التكنولوجي لم يؤدِّ إلى انخفاض أيام العمل. فقد كان الشعار الأساسي الذي رفعته الحركة العمّالية الأميركية وصولاً إلى أول أيار عام 1886 «8 ساعات للعمل، 8 ساعات للترفيه و8 ساعات للنوم» يُعبّر عن الصراع بين العمّال والرأسمال حول الوقت الذي يستعمله الرأسمال في انتزاع القيمة الزائدة من العمل، كما بيّن ذلك ماركس في كتابه «رأس المال». اليوم وبعد مرور عشرات السنين على تحقّق هذا المطلب في أكثر أنحاء العالم، لا يزال أسبوع العمل في أكثرية الدول الرأسمالية المُتقدّمة 40 ساعة. السؤال الذي يطرح نفسه؟ لماذا لم يُتح التقدم التكنولوجي إمكانية ساعات عمل أقل؟ ولماذا احتجّ العالم الرأسمالي، خصوصاً في الولايات المتحدة، بشراسة على القرار الذي اتخذ في فرنسا في عام 2000 لجعل أسبوع العمل 35 ساعة؟
في عام 1930 كتب جون ماينارد كينز «الفرص الاقتصادية لأحفادنا»، تنبّأ فيها أن يؤدّي التقدم التكنولوجي بعد حوالى المئة عام إلى انخفاض ساعات العمل بشكل جذري. كما تنبّأ بالقتل الرحيم للريعي، حيث تراكم الرأسمال يؤدّي إلى انخفاض العائد عليه وصولاً إلى الصفر. الأمر الأول يؤدّي إلى تمتع الأكثرية بأهداف خارج «حياة العمل» نحو البحث عن تحقيق الذات والاستمتاع بالأمور العليا في الحياة. والثاني، إلى تراجع سلطة الرأسماليين الذين يحتكرون الرأسمال. وهنا كان كينز يرى الإمكانية المادية للتحوّل الجذري في الرأسمالية نفسها. فكينز، مثل ماركس، رأى أن لا إمكانية للتحرّر الإنساني إلا بعد القضاء على الندرة وبدء مجتمع الوفرة. لكن لا الريعي مات ولا يعمل الناس أقل اليوم، على الرغم من كلّ التقدم وتراكم الرأسمال منذ ذلك الوقت.
في يوم العمّال العالمي اليوم، لا بدّ من الوعي لدى الأكثرية من أنه على الرغم من التغيّرات الكبيرة في حجم وشكل ونوع الطبقة العاملة إلا أن نقيضها الرأسمال بقي كما هو. والبدء بهذا الوعي يبدأ بالإدراك أن الإنسانية تدخل حقبة جديدة من التقدم ستتيح تحقيق الانعتاق من ما أسماه كينز جعل «أمور الحياة نوعاً من محاكاة ساخرة أو parody لكابوس المحاسب»! لكن سيطرة الرأسمال وتحويل حصص أكبر من الإنتاج إليه، في شكل مطرد، يمنع ذلك؛ وهو يصرّ على إبقاء العالم ضمن هذا الكابوس الذي في الوقت نفسه تتشكّل الظروف الحقيقية لإنهائه.