شكّل العمّال، في القرنين السابقين، قوّة دفع وتغيير على مسارات الدول والشعوب. لذلك ينطلق الحديث عن العمّال وقوّتهم كطبقة مؤثّرة في الحياة الاجتماعية والسياسية في دولة ما، من محاولة فهم الحركة العمالية الحديثة وظروف تشكّلها، لتسليط الضوء على إمكانية تأديتها للدور الذي لعبته منذ الثورة الصناعية إلى الآن. وكانت تلك الثورة العامل الأساس في تشكّل الحركة العمّالية.

يسرد جول موكير، في بحثه «صعود وسقوط نظام المصنع: التكنولوجيا والشركات والأسر منذ الثورة الصناعية»، تأثير الثورة الصناعية على بيئة العمل. فمع بداية الثورة الصناعية، تحوّلت الصناعات، في شكل تدرّجي، من صناعات منزلية يملك فيها «الصناعي-الرأسمالي» المواد الأولية، وفي كثير من الأحيان الأدوات أيضاً، ويوزّعها على العمّال (الذين يعملون في منازلهم). وتطوّرت إلى صناعات في ورش (أصبحت في ما بعد مصانع) تجمع العمّال تحت سقف واحد في مساحة صغيرة نسبياً.

المصدر: إدارة الإحصاء المركزي (2009)

التحوّل التدرّجي امتدّ ستين عاماً من 1760 إلى عام 1820، وتوسّع إلى الصناعات المختلفة بسرعات متفاوتة، اعتماداً على التكنولوجيا وقدرتها على الدخول على كل صناعة في شكل يؤمّن ربحاً أكثر ممّا كانت تؤمّنه وسائل الصناعة الأقدم. هذا التحوّل طال أيضاً وسائل التنقّل، واختصار المسافات الناتج عن تجمّع العمّال في أماكن سكن قريبة من مواقع عملهم.
أكثر من وثّق بدقّة تطوّرات الحركة العمّالية في تلك المرحلة كان كارل ماركس وفريدِريك إنغلز. فتحدّثا في «البيان الشيوعي»، المنشور في شباط عام 1848، عن سلبيات التحوّل إلى نظام المصنع حيث يجري تنظيم جماهير العمّال المزدحمة في المصنع، مثل الجنود في تسلسل هرمي بقيادة الضباط. وهم المُستعبدون يومياً من الآلة والمُشرف عليهم، وقبل كل شيء، من الصناعي البرجوازي. وهذا هو الاستبداد بعينه. ولكن هذا الاستبداد دفع نحو تجميع العمّال في نقابات ضدّ البرجوازية للنضال من أجل الحفاظ على معدّل الأجور. وساعد على نشوء هذه النقابات هو التواصل الذي نشأ عن تجمّع العمّال من مناطق مختلفة في مكان واحد، ما حوّل النضالات المحلّية المتعدّدة إلى نضال مركزيّ موحّد ضدّ الطبقة البرجوازية.

ظهور النقابة
يوثّق سيدني وبياتريس ويب، في كتابهما «تاريخ العمل النقابي المهني» الصادر في عام 1920، تحوّل نسق العمل النقابي من «نقابات المهنة» إلى «نقابات المهن» في شكل تدرّجي في العقدين الثاني والثالث من القرن التاسع عشر. وهذا التحوّل كان مدفوعاً بتطوّر تكنولوجيا صناعة النسيج. بدأت هذه المحاولات تصبح عامّة ومؤثّرة، عام 1830، مع محاولة عمّال صناعة النسيج في إنكلترا إنشاء نقابة لهم (الجمعية الوطنية لحماية العمل) ضمّت إضافة إليهم عمّال كل المهن الأخرى التي تخدم هذه الصناعة مثل الميكانيكيين والحدّادين. وفي عام 1831 وصل عدد المنتسبين إلى مئة ألف من ضمنهم عمّال المناجم. وكان قد سبق هذه المحاولة محاولات عدّة، على امتداد بداية القرن، لإنشاء نقابات محلّية مستقلّة باءت بالفشل، بسبب صعوبة مواجهة أصحاب العمل، فكانت الخطوة الطبيعيّة التالية توسيع قاعدة النقابة ونضالها من المحلّي إلى الأعمّ.

المصدر: إدارة الإحصاء المركزي (2009)

هذا الحراك والتنظيم العمّاليّ كان له دور أساسي في صياغة شكل أوروبا، سياسياً واجتماعياً، في تلك الفترة. وبينما يصنّف معظم المؤرّخين ثورة عمّال نسيج مدينة ليون عام 1831 كأوّل ثورة عمّالية تلت الثورة الصناعية، يرى إيريك هوبسباوم في كتابه «عصر الثورة» أنّ تأثير الحراك يعود إلى وقت أبكر من ذلك. ففي عام 1830عمّت أوروبا موجة ثورات سُمّيت «الثورات الرومانسية»، وتُصنّف من المؤرّخين على أنها ثورات قومية وسياسية. يقول هوبسباوم إن للحراك العمّالي يداً في هذه الثورات، ويعطي مثلاً عن أهمية القوى العاملة فيها، ثورة باريس التي شارك فيها في شكل أساسي عمّال المصانع. ويضيف أن الدساتير التي نتجت عن تلك الثورات، وشكّلت حلولاً وسطى بين الطبقة الأرستقراطية والطبقات الوسطى خوفاً من البروليتاريا، هي خير دليل على الرعب الذي زرعته جموع العمّال المنظّمة في قلوب باقي الطبقات.
ولكن الثورات الأكثر ارتباطاً بالحراك العمّالي في تلك الفترة هي ثورات عام 1848، أو ما عُرف لاحقاً بربيع الأمم. ويشرح هوبسباوم الظروف التي أدّت الى تلك الثورات، ويذكر أن أبرز تلك الظروف الكساد الصناعي الذي أدّى إلى بطالة وانهيار في أجور عمّال المصانع. ويضيف أنه على الرغم من ضآلة أعداد القوى العاملة الصناعية في أوروبا نسبة لعدد السكان في ذلك الوقت، إلا أنها كانت الأكثر تأثيراً. ويعود ذلك إلى تنظيمها واستعدادها للعمل لهدف موحّد. ويصف الكاتب هذه الثورات بالثورات الاجتماعية التي كانت تعكس التغيّر الاجتماعي الذي ضرب أوروبا على أثر الثورة الصناعية.
ولكن أين العالم اليوم من الحراك العمّالي المنظّم الذي يعيد تشكيل السياقات السياسية والاجتماعية؟

عوامل الوهن النقابي
في كتابهم، «تطوّر مكان العمل المعاصر»، يقارب ويليام براون وأليكس برايسون وجون فورث وكيث ويتفيلد، التحوّلات التي طرأت على الحراك العمّالي في نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن. ويقُرّ المؤلّفون بأن فعالية العمل النقابي انخفضت، ويعيدون ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية هي:
العامل الأول، وهو الأكثر وضوحاً، التغيّر الذي طرأ على طبيعة الصناعات، التي تحوّلت من صناعات كبرى تتطلّب مصانع كبيرة إلى صناعات تعتمد على التكنولوجيا أكثر ولا تحتاج إلى جهد بشري ضخم.
والعامل الثاني، هو تآكل قدرة النقابات على المساومة الجماعية من أجل تحسين أو تثبيت المكتسبات ومستوى الأجور. فالعامل الأساسي في قدرة النقابات على المساومة هو توفّر هامش ربح كبير يسهّل على صاحب العمل التخلي عن جزء أكبر من أرباحه للعمّال، وهذا الأمر يكون في مصلحته لأنه يساعد على التركيز على تخفيض الأكلاف في أجزاء أخرى من عملية الإنتاج.
تحسين وضع العمّال في لبنان يتطلّب تطوير مهارات العمّال وجذب العاملين لحسابهم نحو حراك عمّالي


والعامل الثالث، هو موجة الخصخصة التي شملت الكثير من القطاعات المُنتجة في العالم. والعاملان الثاني والثالث ساهما في ابتعاد أصحاب العمل عن توظيف المنتمين إلى النقابات مما خفّض اهتمام العاملين بالانتساب إليها، وخصوصاً مع رفع الحماية القانونيّة عنها في الكثير من البلدان.

مستقبل العمل النقابي في لبنان
في لبنان، عندما نتحدّث عن الحراك العمّالي، علينا أن نكون أكثر واقعيّة. فإحصاءات إدارة الإحصاء المركزي تظهر توزّع الأغلبيّة الكبرى للعمّال على قطاعات غير منتجة ولا تحتاج إلى مراكز عمل مركزيّة ضخمة (12% من العمّال فقط يعملون في الصناعة و6% في الزراعة)، وعلى الرغم من أن 52% يعملون بأجر شهريّ ثابت، إلا أنهم يتركزون في مؤسسات صغيرة، بينما يشكّل الذين يعملون لحسابهم الخاص 23%. هذه الأرقام لا تسمح بنشوء حراك عمّاليّ تقليديّ، هذا من دون التطرّق إلى الأوضاع السّيئة في ما خصّ انخفاض ربحيّة القطاعات الإنتاجيّة والخصخصة غير الخاضعة للمراقبة. فغياب مكان عمل يجمع عدداً كبيراً من العمال يحتّم البحث عن دوافع تواصل جديدة تجمع العمّال على قضاياهم عبر البحث عن هواجسهم الأساسيّة. ومن أهمّ الهواجس عند معظم العمّال اليوم، احتمال انتفاء الحاجة في سوق العمل إلى مجموعة المهارات التي يملكونها. فمتطلّبات سوق العمل تتغيّر بنحو مستمر وسريع بسبب التطوّر التكنولوجيّ المتسارع. ولا يمكن التغاضي أيضاً عن ازدياد فئة العمّال الذين يعملون لحسابهم، وهذه نزعة عالمية بحسب موكير يدفعها تطوّر تكنولوجيا الاتصالات. وهذا يضع الحراك العمّاليّ أمام تحدٍّ من نوع جديد، وهو تحصيل حقوق عمّال يعملون فرديّاً عند ربّ عمل مؤقّت.
هذا الواقع يفرض على كلّ من يسعى إلى تحسين وضع العمّال في لبنان وتحصين حقوقهم البحث عن بناء حراك عمّاليّ على أسس غير تقليديّة، حتى تسمح بتنظيمهم ضمن أطر تمكّنهم من تحقيق، ولو بعض التغيير أو التأثير. وتكون البداية بالالتفات إلى أهمّية تطوير مهارات العمّال كطريق لإعادة ربطهم بالحراكات العمّاليّة، إضافة إلى إيلاء أهمّية لجذب كتلة العاملين لحسابهم، وهي كتلة سيكبر حجمها مع الوقت، عبر تنظيم آليات توظيفهم والعمل على تثبيت حدّ أدنى لأجورهم. الطريق المؤدّي إلى حراك عمّاليّ جديد صعب، ولكنه غير مستحيل. والسؤال الآن: هل هنالك استعداد للتخلّي عن المقاربات التقليديّة التي لم تعد تُلائم ظروف العمل والعمّال؟