غداً، في الأول من أيار، سيكون قسم مهمّ من العمّال يعمل، لا يستحقّ يوم عطلة، وآخرون قد يكونون مستائين من إجبارهم على يوم عطلة، لأنهم مياومون، يقبضون أجورهم على أساس يوم العمل الفعلي (أو الساعة أو على القطعة)، لا تشمُلهم العطل المدفوعة الأجر ولا أي نوع من أنواع الحماية الملحوظة في القانون. هؤلاء هم «اللانظاميون» الذين يُشكّلون نصف القوى العاملة في لبنان.

المصدر: منظّمة WIEGO| | للصورة المكبّرة انقر هنا

منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية حتى اليوم، لم تتطوّر مطالب النقابات على الرغم من التحوّلات العميقة في بنية الاقتصاد والقوى العاملة. فمطلب تصحيح الأجور، الذي يبقى مطلب العمّال الرئيس، لم يعد يطالهم جميعاً. إذ إن أكثر من نصف القوى العاملة في لبنان تنطبق عليها صفة «اللانظامية»، أي إنها تخضع لشروط السوق المُجحفة. تتقاضى أقل من الحدّ الأدنى للأجور، ولا تتمتّع بالحقوق القانونية وغير مشمولة بالحماية الاجتماعية. وبين حين وآخر تخرج دعوات لإصلاح الضمان الاجتماعي، فتُسارع النقابات إلى الدفاع عن «النظام» خوفاً من فقدان امتيازات المستفيدين، ولكن 28% فقط من الأسر تحظى بتغطية صندوق الضمان، في حين أن 44% منها ليس لديها أي نوع من تغطية عامة أو خاصّة.

46%

من القوى العاملة في لبنان هي من العاطلين من العمل أو من العاملين في القطاع غير المنظّم وفق البنك الدولي


كذلك، أدّى تحرّك هيئة التنسيق النقابية إلى إقرار سلسلة رتب ورواتب جديدة لموظّفي الملاك العام، وتتحرّك فئات عدّة في الوظيفة العامة من أجل زيادة الدرجات وعدم المسّ بالمعاش التقاعدي أو بتعاونية موظّفي الدولة، إلا أن المتعاقدين والمياومين في القطاع العام يشكّلون نصف العمالة فيه تقريباً، ولا يستفيدون من أي من مزايا الموظّفين، بل إن الكثير منهم يعمل تحت عناوين معبّرة، كالعمّال بالفاتورة أو على الساعة أو عمّال المُتعهّد. وبطبيعة الحال، لا يستفيد العدد الهائل من العمّال المهاجرين واللاجئين (من عاملات منازل إلى لاجئين سوريين وفلسطينيين وعمّال من جنوب آسيا وأفريقيا، الذين يناهز عددهم عدد العمال اللبنانيين في القطاع الخاص) من أي حماية يتمتّع بها العمّال النظاميون اللبنانيون، فهؤلاء أيضاً هم لانظاميون متروكون لمصيرهم. فلو كان هناك مسح جدّي للقوى العاملة في لبنان يشمل المهاجرين لكنا اكتشفنا أن أقلية متناقصة من العمّال تتمتّع بالحمايات الأساسية، كالحماية الاجتماعية، إجازات سنوية ومرضية، ساعات عمل محدّدة وأجر ثابت.
يحتاج كلّ هؤلاء المهمشين إلى مقاربة جديدة للقضايا العمّالية، لا تنظر إلى «اللانظامية» كقطاع، أو حالة يعاني منها بعض الفئات العمّالية، بل هي البنية الاقتصادية السائدة التي يتوجّب العمل على تغييرها.

النمو أهم من العمّال
يتكوّن الاقتصاد اللانظامي من كل الأنشطة الاقتصادية التي لا تشملها التدابير الرسمية أو النظامية قانوناً أو ممارسة، أي تشمل كل العمّال الذين لا يتمتعون بالحقوق المنصوصة قانوناً كالحماية الاجتماعية، التقاعد، العطل المدفوعة، الحدّ الأدنى للأجور وغيرها. كما أن هذا الاقتصاد يشمل المؤسسات الفردية وتلك غير المسجّلة. فاللانظامية ليست حالة حديثة بل تاريخية إذ أُطلق هذا التوصيف على الأنشطة التقليدية والحرفية في البلدان النامية التي قيل إنها ستختفي مع تحوّل هذه الاقتصاديات إلى الحداثة والتصنيع. ولكن هيمنة الأيديولوجيا النيوليبرالية في العالم رسّخت اللانظامية التي أصبحت أحد أهم عوامل تراكم الأرباح والثروة في اقتصاديات البلدان المختلفة. وتُرجم ذلك بالتحوّل في السياسات العامة من اقتصاد جانب الطلب (أي السياسات التي تحفّز الطلب عبر زيادة الأجور مع التضخّم ودولة الرعاية التي تضمن الخدمات الأساسية بغية تحرير العمّال من عبء تحمّل كلفتها لصالح استهلاكهم لسلع وخدمات أخرى) إلى سياسات جانب العرض المبنيّة على تحفيز الأرباح والاستثمارات على حساب العمل والأجور. فتروّج الأيديولوجيا النيوليبرالية أن النمو الاقتصادي هو الهدف الأسمى للسياسات العامة.

تشنّ حرباً شعواء على العمل الثابت في القطاع العام فيما يُسدّ الشغور بالعمل اللانظامي


ويتحقّق ذلك عبر تأمين المناخ للشركات من أجل تحقيق الأرباح، وسينعكس إيجاباً على النمو ويكون لديه أثر انتشاري، أي إن الأرباح هذه لن تبقى محصورة بيد الشركات بل ستنتشر لجميع الناس عبر فرص عمل أكثر وغيرها.

تفكيك علاقات العمل: مقاولون لا أجراء
انتشرت شعارات جذب الاستثمارات الأجنبية، وتسهيل تأسيس الشركات والمرونة في العمل وتخفيف الأكلاف على الشركات من أجل أن تتمكّن من تحقيق الأرباح. فتُرجمت عبر التخفيف من كلفة العمل قانوناً وممارسة. فجرى تخفيض اشتراكات الضمان الاجتماعي، كما حصل في لبنان عام 2002، وتمّ إدخال تشريعات عمل جديدة، بحجّة إتاحة مرونة أكبر في سوق العمل، ما سمح للشركات باعتماد عقود العمل المؤقتة، والحصول على استثناءات من القانون، كما في المناطق الخاصة والمناطق الحرّة كمنطقة طرابلس الاقتصادية، حيث تم تعليق قانون العمل وصيغت تشريعات خاصة تعفي الشركات من التزاماتها الاجتماعية.

المصدر: البنك الدولي – وزارة المال (2012) – منظّمة العمل الدولية | للصورة المكبّرة انقر هنا

في الممارسة، جرى اختراع مُسميات وظيفية وأشكال تعاقد جديدة من أجل التحايل على علاقات العمل بين العامل وصاحب العمل، كالعقود الاستشارية التي تحصل في القطاع الخاص وفي المنظّمات غير الحكومية والدولية، وحتى في الوزارات (العاملون بعقود مع UNDP) وغيرها. فالسمة الأهمّ لهذه الأشكال التعاقدية هي أنها تحرّر صاحب العمل من تبعات العلاقة التعاقدية مع العامل، وتجعل من العامل كما لو أنه مُقدّم خدمة مستقلّ لزبون منفصل (أي الشركة)، كما هي حال سائقي «أوبر» الذين يصنّفون كشركاء، أو كالنساء اللواتي يعملن من منازلهن في الخياطة والنسيج من أجل شركة تدفع لهنّ على القطعة، وغيرها من أشكال التعاقد. كذلك تنتشر أشكال التعاقد من الباطن، إذ تقوم الشركات بإسناد بعض من مهامها إلى شركات أخرى، فتنشأ علاقة ثلاثية، حيث يكون عقد العمل مع شركة ولكن العامل يتقاضى أجره من شركة أخرى، فتتملّص الأولى من التزاماتها الاجتماعية اتجاهه في حين لا تكون الثانية مسؤولة عن هذه الالتزامات. وهذه تحديداً حال مياومي الكهرباء الذين يعملون لدى شركة كهرباء لبنان ولكن علاقتهم التعاقدية مع شركات مقدّمي الخدمات ومع شركات «المتعهّد بتوريد العمّال».
في ظل هذا التفلّت، تُشنّ حرباً شعواء على أشكال العمل الثابت والدائم، خصوصاً في القطاع العام، وتُرمى عليه صفات الكسل والخنوع وإعاقة المبادرة الفردية. ففي حين يتعاظم الشغور في ملاكات الوظائف العامّة يتم اللجوء إلى سدّ الحاجات بأشكال من العمل اللانظامي، وهذا الاتجاه تعزّزه موجات الخصخصة، بحجّة تقليص القطاع من أجل فسح المجال لنمو القطاع الخاص الذي هو المحرّك الأساسي للنمو.

وهم الريادة
أدّت هذه السياسات إلى ارتفاع معدّلات النمو، ولكنه كان نموّاً من دون وظائف، وفي كثير من الأحيان مدفوعاً بالقطاعات التي لا تنتج عملاً، أي العقارات والأسواق المالية والتجارة. فتمّت الاستعاضة عن الطلب الداخلي بالطلب الخارجي وانتشار أكثر للوظائف المتدنية الأجر والمهارة. وفي ظلّ انتشار البطالة ظهرت البدعة الجديدة، وهي الريادة، أي الترويج لفكرة أن البطالة مشكلة فردية ويمكن لأي شخص الازدهار بفعل مبادرته وإرادته. فلا حاجة للبحث عن عمل بأجر إذ يمكن لأي فرد أن يصبح صاحب عمل نفسه، فانتشرت القروض الصغيرة وبالغة الصغر الموجّهة للفقراء، ما أدّى إلى تنامي العمل للحساب الخاص. فيتمّ اعتبار بائع الكعك على الكورنيش ريادياً في مجال الأعمال، كما المرأة التي تقتني آلة خياطة لتعتاش. وفي هذا المجال، اعتبر أحد أبرز المنظّرين الاقتصاديين النيوليبراليين أن الثورات العربية كانت ثورات رياديين لم يجدوا مناخاً ملائماً لتنمية أعمالهم، إذ إن البوعزيزي كان بائع خضرة متجوّلاً واجه عوائق بيروقراطية كبيرة أمام نمو عمله. باختصار، كانت القروض الريادية من أحد أبرز العوامل التي ساهمت في مفاقمة اللانظامية عبر خلق كتلة كبيرة من العاملين لحسابهم الخاص المنخرطين في أنشطة متدنية الدخل يتأرجحون بين خطوط الفقر.

انتهاء صلاحية النقابات
أمام هذه التغيّرات في العالم، وتحديداً في لبنان، لم تستطع النقابات، أو لم ترغب في أقلمة نفسها من أجل مواجهة هذه التغيّرات البنيوية وحماية العمّال. لقد بات عالم العمل فضاءً منقسماً بين أقلية مشكّلة من عمّال نظاميين محميين تسعى النقابات إلى حماية مكتسباتهم، وأكثرية تتكوّن من عمال لانظاميين من دون حماية أو مظلّة أو أدوات نقابية، يعملون من دون ساعات محدّدة، يتقاضون أجوراً تتقلّص وترتفع مع حركة السوق، ولا يتمتعون بأي نوع من الحماية الاجتماعية. إنها ببساطة عودة إلى ظروف العمل في ظلّ الرأسمالية الأصلية. تتعزّز هذه البنية مع بروز الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على المنصّات الرقمية كما مع التقدّم التكنولوجي والأتمتة. فتعتمد هذه الأخيرة على تفكيك أعمق لأماكن العمل، ضبابية أكثر في علاقات الاستخدام ولا مركزية الوحدات الاقتصادية التي لا تعتمد على نماذج العمل المُعتادة. لهذه الأسباب تتدهور في شكل مطرد راهنية الأشكال النقابية الحالية وتبرز الحاجة إلى إعادة التفكير بطرق التنظيم العمالي غير الاقصائية والتي تستجيب إلى هذه التغيّرات وتتركّز نضالاتها على مطالب ذات صلة وأهمّية بواقع العمّال حاضراً ومستقبلاً.