نجح الخطاب المُهيمن في شيطنة الضرائب والأجور والقطاع العام عموماً، وتحوّل من خطاب طبقي يخصّ «منظّري السوق الحرّة البرجوازيين» إلى خطاب «شعبوي» بامتياز تردّده أحزاب ونقابات ومنظّمات مجتمع مدني ولوائح متنافسة في الانتخابات، ويصبُغه «خبراء» بمزاعم «العلم» و«التخصّص».

يقول هذا الخطاب باختصار، إن العجز المالي والمديونية بلغا مستويات حرجة جدّاً، تفرض علينا الكثير من «التقشف» و«التشارك» في تحمّل العبء والقبول بمستوى معيشة أدنى مما هو عليه الآن، فليس أمامنا خيار إلا محاباة رأس المال بغية إطلاق عجلة الاستثمار الخاصّ: علينا القبول باستغلال أكثر في سوق العمل، أجور أقل، ساعات عمل أطول، و«مرونة» أوسع في القانون لتسهيل «إفلاس الشركات بلا تبعات» وتيسير «صرف العمّال بلا تعويضات»، وعلينا أن نتحمّس للخصخصة والشراكة مع القطاع الخاص في البنية التحتية والخدمات العامّة، وعلينا أن نطالب بإقامة المناطق الحرّة المتفلّتة من أي قيود تتصل بالحدّ الأدنى للأجور والضمان الاجتماعي وتعويضات نهاية الخدمة وبدل النقل والمِنح التعليمية... وعلينا أن ننخرط في الهستيريا الجماعية ضد الدولة «التاجر الفاشل» والإنفاق العام «الفاسد والمهدور» الذي يذهب إلى دعم أسعار الكهرباء وتسديد الرواتب ومعاشات التقاعد والتقديمات الاجتماعية للموظّفين والتحويلات إلى المؤسسات العامّة والجمعيات وتوظيف الأجراء والمياومين والمتعاقدين والعسكر...
يردّد الخطاب نفسه، أننا إذا لم نتحرّك سريعاً للتخلّص من هذا «الإنفاق» سننحدر إلى مصاف الدول العاجزة عن تسديد ديونها، وبالتالي يجب ألّا «نلطّخ» سمعتنا التي «لا تشوبها شائبة» عند الدائنين، أي عند الأثرياء أنفسهم الذين نعرض عليهم الآن امتلاك الطرقات والكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات والثكنات والسجون... لأن الأرباح التي راكموها من مديونية الدولة تستنزف أكثر من نصف الإيرادات العامّة ولا تبقي ما يكفي لقيام الدولة بواجباتها. هم خلاصنا: يجب أن يظلّوا معفيين من أي عبء، وينعموا بالمزيد من الأرباح والمكاسب والامتيازات، فمن دونهم «لا ينمو اقتصاد ولا تبقى فرص عمل».
الضرائب، كما الأجور، يكرهها الأثرياء، بل هي أكثر الأمور «الكريهة» عندهم. لذلك يجب عدم إزعاجهم بمطالب أو واجبات، وإلا سنعاني كثيراً أكثر من الوجع الذي تحدثه حدّة التفاوتات. يقول الخطاب إن البلاد كُلّها ستصبح غير قابلة للعيش إذا فرضنا الضرائب على الأثرياء، ولذلك علينا أن نتحمّل كل العبء من دونهم، كي يتفرّغوا لوظيفتهم في تحقيق «التراكم اللانهائي» لثرواتهم.
معظم اللوائح المتنافسة في الانتخابات الحالية يرفع شعار «لا للضرائب» بالجملة، وبعضها يغدق الوعود بتخفيض الضرائب والتقشف في آن معاً. جميع المرشحين تقريباً، ما عدا قلّة من الخوارج، يسايرون مصالح رأس المال على حساب قضايا العمل والعمّال. ولا يوجد مرشح واحد يشعر أنه مضطر للبحث عن الصوت التفضيلي عند «الطبقة العاملة»، فلا برامج انتخابية تعد بالسلّم المتحرّك للأجور ورفع الحدّ الأدنى إلى المستوى الذي تحتاجه الأسرة للعيش بكرامة، ولا برامج لمكافحة تفشي «اللانظامية» و«التمييز» في سوق العمل وتفلّت أصحاب العمل من موجباتهم القانونية المتواضعة تجاه العمّال، ولا برامج أيضاً لإلغاء كل القيود على حرية التنظيم النقابي في القطاعين العام والخاص وتفعيل آليات المفاوضة الجماعية وتسريع البت بنزاعات العمل... لا شيء من كلّ ذلك، فهذه القضايا التي تخصّ أكثرية الناخبين، تظهر كقضايا خاسرة في هذه الانتخابات. ولذلك لا يجد نقولا شماس حرجاً في إعلان أنه يخوض الانتخابات ليربح «الحرب الاقتصادية»: حرب ضدّ من؟ رئيس جمعية التجّار لا يشنُّ «حرباً» مع عالم خارجي نستورد منه بأكثر من 23 مليار دولار ونصدّر إليه بأقل من 3 مليارات دولار! ما يقصُده بالحرب (حرفياً) هو حرب رأس المال على العمل، على طريقة إعلان وارن بافيت (أحد أثرياء العالم) «هناك حرب طبقية بالتأكيد، وإن طبقتي، طبقة الأثرياء، هي التي تنتصر».
هو خطاب «حرب» إذاً، والحِجَج التي يتخذها تبدو «موضوعية»، وتحظى بإقرار واسع: الفساد والهدر وضعف إنتاجية القطاع العام والتهرّب الضريبي والتهريب، إلخ... لا شكّ في صحّة هذه الحِجَج، ولا شكّ في أنها ساهمت في تقهقر مشروعية الدولة كثيراً وتقهقر شرعية مؤسّساتها الدستورية، ولا شكّ أيضاً في أن هذا الفساد والتوسّع في الإنفاق السياسي التوزيعي ودعم أسعار الكهرباء وتوظيف المزيد من العمالة في الجيش والقوى الأمنية والأشكال المختلفة من البطالة المُقنّعة والعمل اللانظامي والمياومة... كلّها ساهمت بدرجة أو بأخرى في تنامي المديونية العامّة وتحوّلها إلى الشمّاعة التي تعلّق عليها أسباب الفشل والإخفاق والعجز عن تقديم أي إجابة عن المستقبل.
ولكن هذه الحِجَج هي مجرّد «حجج» تخفي مصالح فئة «أوليغارشية» حاكمة، ما انفكت تُراكم السلطة والثروة وتتوارثهما.
كيف ذلك طالما أن «الحِجَج» صحيحة؟ لماذا علينا أن نفرض المزيد من الضرائب على الأرباح والريوع إذا كان بالإمكان تخفيض النفقات والسرقات وتحصيل الضرائب؟
يجري تناقل أرقام فلكية عن كلفة الفساد والهدر والتهرّب الضريبي. يقولون إنها بمليارات الدولارات سنوياً، وقد يكون هذا صحيحاً، ولكنّه يطمُس حقيقة أن هذه نتائج وليست أسباباً، أو أنها عوارض المرض لا المرض، وبالتالي فإن وصفات «التخلّص من الدولة» من أجل التخلّص من عوارض أمراضها ليست إلا التطبيق العملي للمثل الشائع: «وداويها بالتي كانت هي الداء»، أي المزيد من تركيز الثروة والدخل وتهميش الطبقة العاملة وإفقارها وتحميلها كلّ الخسائر.
إنها حرب طبقية. المفارقة فيها أن رأس المال نجح في تجنيد الأكثرية للقتال على جبهته، بما في ذلك العمّال أنفسهم، الذين من دونهم تسقط كلّ الدفاعات عن جبهتهم ويخسرون. وهذه معضلة «السياسة» في لبنان والبلاد مثله: ليس هناك جنود على الجبهة المقابلة لجبهة رأس المال.