أنطلق في مقاربتي من البدايات، لأسرد «مشوار الألف ميل» لمسار مؤتمرات باريس والديون اللبنانية، للتأكد من أننا نسير جميعاً في الاتجاه نفسه، وأننا جمعياً نقرأ الصفحة نفسها.

لقد دخلنا الآن بـ«باريس 4». ويدلّ الرقم على أنها المرة الرابعة التي نمرّ فيها بتصدّع، فنتوجّه إلى المجتمع الدولي لطلب المساعدة. لذلك، سنعود خطوة إلى الوراء، لتحليل ما حدث خلال السنوات الـ25 الماضية. حيث يتبيّن أن الآلية التي يعمل بها لبنان، لا تختلف عن الآلية المتبعة في أي «شركة مساهمة»، في الحالتين تجري المحافظة على سير الأعمال عبر التدفقات النقدية.
بعد فترة وجيزة من انتهاء الحرب اللبنانية، ارتفعت أسعار الفائدة، ورُفعت قيمة الليرة في شكل مصطنع لأسباب سياسية، فدخلنا في نفق العجز الإنفاقي، ولم نعد قادرين على تحمّل تكاليف الاقتراض، ولم تعد تدفقاتنا النقدية قادرة على خدمة مستوى الدين.
في سياق البحث عن حلول، ماذا فعلنا؟ تحوّلنا من الاقتراض بالليرة اللبنانية إلى الاقتراض بالدولار الأميركي. وأقنعنا المستثمرين، على وجه التحديد، بالقبول بعوائد أقل في مقابل تخفيف المخاطر المُحتملة التي قد تنتج من أعمالهم، باعتبار أن الديون باتت مقوّمة بالعملات الصعبة. لكن في الواقع، لم يؤدِّ هذا الإجراء إلى تخفيف المخاطر، بل إلى تغيير طبيعتها. وبالتالي، لم يعد الخطر مرتبطاً بخفض قيمة العملة، بل بالعجز عن تسديد الديون.
الجزم بأن التخلّف عن تسديد الديون هو أمر لا يمكن حدوثه، يكاد يكون أقرب إلى الهلوسة أو الخداع. على مرّ التاريخ، البعيد والقريب، أثبتت الدول أنها ستعجز في مرحلة ما عن سداد ديونها. قد لا يكون هذا التخلّف أمراً وشيكاً، في لبنان، ولكن إذا أكملنا بالطريق نفسه، من دون إجراء إصلاحات حقيقية، فسيصبح أمراً لا مفرّ منه.
أوقفتنا خدعة تبديل عملة الديون في وسط الطريق، دون معالجة المشكلات الأساسية والهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني، وما زال يواجهها حتى اليوم. وبالمناسبة، مشكلة الاقتصاد اللبناني الأساسية ليست الفساد ولا الكهرباء، وبالتأكيد ليست مرتبطة بعدم قدرتنا على التعامل مع مشكلات وقضايا بسيطة مثل جمع النفايات. كذلك فإنني أضمن أن لا علاقة لها بالخصخصة أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ومن دون أي لبس هي ليست الطائفية أيضاً.
بعد سنوات قليلة من استمرار تجاهل المشكلة الفعلية التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني، وصلنا إلى حائط مسدود مرّة أخرى، عندها قُدّم مؤتمرا «باريس 1 و2» على أنهما شريان الحياة، استمرّ الحال إلى أن وقعت حرب تموز 2006، التي أعادت تظهير المشكلة، ليقدّم على أثرها مؤتمر «باريس 3» بوصفه مساعدة لإعادة إعمار ما تهدّم. بالطبع، كان العذر جديراً بتغطية حالتنا الرهيبة، لكوننا خرجنا للتو من حرب.
مرة جديدة، أتّى مؤتمر «باريس 3» ليقدّم التدفقات النقدية التي تعزّز عمل «الشركة» وتدعم استمراريتها، فبقيت أثاره واضحة لفترة زمنية، انخفضت خلالها أسعار الفائدة، ثمّ استقرّت على معدّلاتها نتيجة الأزمة المالية العالمية عام 2008، فكانت فرصة مؤاتية لاستمرار اتباع الطرق غير المستدامة نفسها، ولكن بكلفة أقل، فجرت المحافظة على التدفقات النقدية الخارجية بأسعار فائدة منخفضة، مكّنتنا من مواصلة العيش بما يفوق الإمكانات التي توفّرها الديون. بطبيعة الحال، لا يتسم الوضع القائم بالاستمرارية، إذ سرعان ما أخذت أسعار الفائدة بالارتفاع مجدّداً، وأمام واقع حاجتنا الدائمة إلى التدفقات النقدية، أتى الحل على صورة مساعدة مُفترضة يقدّمها المجتمع الدولي عبر مؤتمر «باريس 4». هذا «الحبّ» الذي يكنّه الجميع للبنان، هو فعلياً مزيج من الاعتبارات والمصالح السياسية: هناك الانتخابات النيابية، وطبعاً ليست روسيا من يتدخل بها، ولدينا لاجئون يودّ المجتمع الدولي إبقاءهم في لبنان، وبالتالي لا يرغب في انفجار الوضع في هذه المرحلة، لأن ذلك سيعني تدفق اللاجئين السوريين إلى هذه الدول، ومعهم لاجئون اقتصاديون لبنانيون. تلقى لبنان هبات بسيطة إلى جانب مبالغ كبيرة من القروض الميسّرة الطويلة الأجل، بهدف احتواء المشكلة!
لكن لماذا القروض الميسّرة الطويلة الأجل؟ بكل بساطة، تتعلّق المسألة بإدارة التدفقات النقدية. فمع الارتفاع المطّرد بأسعار الفائدة، لا يمكن لبنان أن يتحمّل الديون السوقية. لذلك، كما العادة، نقلت المشكلة إلى المستقبل، وهو مستقبل قد لا يكون بعيداً جداً، لكون لبنان لم يعد بمقدوره تحمّل تكاليف إعادة تمويل ديونه الحالية عند استحقاقها، عبر ديون جديدة فوائدها ستكون أعلى بطبيعة الحال. هذه هي الطريقة التي تستمرّ بها اللعبة، فيما النموذج يصبح أكثر تعقيداً.
قد تتساءلون كيف أن المشكلة التي نواجهها لا علاقة لها بالفساد والنفايات ووضع الكهرباء ونقص عقود الخصخصة، التي أعارضها بشدّة، لكونها لا تحلّ المشكلة، بل تفاقم الوضع سوءاً، ولا سيما في سجلنا الحافل بالحكم السيئ، وهذا الرأي صادر عن خريج جامعة هارفرد لإدارة الأعمال، حيث نتعلّم وندرك حقيقة السوق الحرّة والرأسمالية!
لكن لماذا؟ حسناً، الإجابة بسيطة، كل النقاط المذكورة أعلاه، وهناك الكثير من النقاط الأخرى الواجبة إضافتها، ليست سوى عوارض للمشكلة الأساسية، وهي الاقتصاد الريعي، الذي تستفيد منه أقلية محظية، على حساب الجميع، وعلى حساب القطاعات الإنتاجية، بتواطؤ ودعم من معظم الطبقة الحاكمة التي تتحكّم بجمهورها عبر الأيديولوجيا، أي عبر النموذج الكلاسيكي، وفي الحالة اللبنانية الأيديولوجيا المعتمدة هي الطائفية. وأصف الأيديولوجيا بالنموذج الكلاسيكي لكونها مستخدمة أينما كان. في الانتخابات الأميركية الأخيرة، صوّتت أغلبية الناخبين المحرومين اقتصادياً في وسط الولايات المتحدة، لمرشّح يطرح خفض الضرائب التي لا تطاولهم في الأساس، وتقليل الخدمات العامّة التي يحتاجونها بشدّة، فكيف يحدث ذلك لو لم يكن من خلال الأيديولوجيا؟

هذا الرأي صادر عن خريج جامعة هارفرد لإدارة الأعمال، حيث نتعلّم وندرك حقيقة السوق الحرّة والرأسمالية!


الجنون هو فعل الأمر نفسه مراراً وتكراراً، وتوقّع الوصول إلى نتائج مختلفة. لا شكّ في أننا جميعاً نعرف هذا المثل. في الواقع، هذا ما دأبت السلطة السياسية على القيام به طوال السنوات السابقة، وتستمرّ بتطبيقه، مع اللاعبين أنفسهم. أمّا ما يسمّى التغييرات التي يعاد طرحها في كلّ مناسبة، فهي ليست إلا السياسات غير الفعّالة نفسها، التي يروّج لها منذ عقود من دون وجود أي استراتيجية لخلق ميزة تنافسية للاقتصاد اللبناني على المدى الطويل.
قد يشير المدافعون عن هذا النهج إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال العقد الماضي. صحيح أننا حققنا نمواً، ولكن لسوء الحظ، كان بمعظمه مدفوعاً بالاستهلاك والدين، بحيث ارتفعت الديون الخاصّة إلى مستوى لم يعد بإمكان الأفراد تحمّل المزيد من الاستدانة لتمويل استهلاكهم، ما أدّى إلى تباطؤ الأنشطة الاقتصادية. وهنا السؤال الحقيقي الواجب طرحه عن حجم الاستثمارات التي وُظّفت في الزراعة والصناعة والسياحة وأنشطة الثروة الحقيقية. في الواقع، نحن ننفق على الأنشطة غير المنتجة، ونحسبها ضمن الناتج المحلي الإجمالي، بدليل وجود أفراد يعملون في نقل المياه لأنها من الخدمات العامّة الأساسية غير المتوافرة وغير المنظّمة، وهناك عدد كبير من الأشخاص الذين يعملون في نقل الأفراد بطريقة غير فعّالة، وهناك الكثير من الأمثلة المشابهة الأخرى...
إن إحداث تغيير، يتطلب تغييراً جذرياً في سياستنا المالية التي تشجّع الاقتصاد الريعي، وتعاقب الأنشطة الاقتصادية التي تولّد ثروة حقيقية وتخلق وظائف محلية، فضلاً عن تركيز السياسات على تصدير السلع بدلاً من تصدير الأدمغة، أي بدلاً من تهجير الشباب المتعلّم الذي يعاني من البطالة لعدم توافر فرص العمل اللائقة، وعدم عثوره على مساكن بأسعار معقولة بما ينعكس على قدرته على الزواج وتأسيس أسرة، ولعدم وصوله إلى الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية والتقاعد إلخ... كما يشكّل سعر الأرض المرتفع، في شكل مصطنع، عائقاً أمام الاستثمارات المنتجة، وهو يحول دون تطوير الزراعة والصناعة، وتشجيع الإنتاج وبناء المصانع وتعزيز التنافسية، لكون سعر الأرض أعلى من سعر المصنع وأعلى من المردود الزراعي. والأمر ينسحب على الأداء السياحي أيضاً. إذاً، كل السلع والخدمات المنتجة أو المقدّمة في لبنان مرتفعة الثمن، وبقيمة مبالغ بها، نتيجة ربطها بقيمة الإيجار المفترض دفعه أو القرض العقاري المفترض تسديده، وهو ما يؤدّي إلى القضاء على تنافسية البلد في الأسواق العالمية، في مقابل استفادة أقلية ضئيلة جداً.
الحائط المسدود هو نقطة الوصول الأخيرة المتوقعة إن لم يجرِ التعامل مع هذه المشكلة بطريقة جديّة. لأن السوق لا يرحم. ومهما كانت شوائبه كثيرة، إلّا أنه يُصحح دائماً، وكلّما جرى التلاعب به، كبرت الفقاعة، وبات معها الانفجار أكثر حدّة وصعوبة.
* صناعي - وزير سابق