هل يمكن في بلد مثل لبنان، لا يملك قطاعات مُنتجة تشجّع على الاستثمار، ويفرض فيه المصرف المركزي على البنوك والمصارف قيوداً شديدة على التعاملات بالمنتجات المالية في الأسواق الأجنبية، أن يقع اقتصاده ضحية فقّاعة اقتصادية؟ وهل يمكن أن يؤدّي تدفق رؤوس أموال على أحد قطاعاته أن يصنع فقّاعة اقتصادية؟

يُجمع كل من يدرس ويوصّف حالة قطاع العقارات في لبنان على أن القطاع شهد ازدهاراً كبيراً بين عامي 2007 و2011. هذا الازدهار في الحقيقة عبّر عنه الارتفاع الجنوني في أسعار العقارات، بدأ في بيروت وسرعان ما تمدّد إلى كل المناطق اللبنانية.
من الصعب الحصول على أرقام تدل على معدّل ارتفاع الأسعار خلال هذه الفترة بسبب عدم وجود مؤشر أسعار رسمي للعقارات في لبنان، ولكن يمكن تقدير حجم الجنون الذي أصاب سوق العقارات، عندما نعلم أن في بعض أحياء بيروت المتواضعة تضاعفت الأسعار فيها ما لا يقل عن أربع مرات.
تؤكد دراسة «بلوم انفست»، الصادرة في شباط 2016 تحت عنوان «مراجعة معمّقة لقطاع العقارات اللبناني في 2015»، هذا الواقع، وتعيده إلى زيادة كبيرة على الطلب نسبة إلى العرض الموجود في حينه. وتفصّل دراسة نشرها «فرنسبنك» في آذار عام 2017، تحت عنوان «قطاع العقارات في لبنان: الحالة القائمة واتجاه المستقبل»، مصادر الطلب التي دفعت بأسعار العقارات إلى الارتفاع بهذا الشكل، وهي ثلاثة:
المصدر الأول، هو الطلب الأجنبي (الخليجي بالأخص)، حيث تذكر دراسة أخرى لـ«بلوم إنفست»، صدرت في آذار من هذا العام تحت عنوان «قطاع العقارات اللبناني في 2017»، أن 60% من حجم الاستثمارات الخارجية المباشرة، بين عامي 2007 و2010، قد وُضعت في سوق العقارات.
والمصدر الثاني، هو طلب المغتربين اللبنانيين.
بينما المصدر الثالث، هو الطلب المحلي الذي يبحث عن المساحات الصغيرة والمتوسطة لضعف قدرته الشرائية.
مع وصول العقار إلى أعلى أسعاره، قاوم المستثمرون اللبنانيون (أشخاص ومؤسّسات) تسمية الحالة بالفقّاعة، حتى عندما شهدت أسعار العقار بطئاً في النمو بين عامي 2011 و2013، وعندما شهدت ركوداً بدءاً من عام 2014. ويؤكّد التقريران المذكوران أنه بدءاً من عام 2015 شهد الطلب على العقار تدهوراً، وعليه بدأت الأسعار تشهد هبوطاً محدوداً.
تستعرض دراسة «بلوم إنفست» الصادرة في هذا العام انخفاض الأسعار في السنوات الخمس الماضية، مقدّرة معدّله في بيروت بـ20%. ويبدو هذا الانخفاض في الأسعار منطقياً جداً، إذا ما نظرنا إلى ما حلّ بمصادر الطلب التي ساهمت في خلق الفقّاعة. فالاستثمارات الأجنبية المباشرة انخفضت في شكل كبير من ما معدّله 4.25 مليار دولار في السنة بين عامي 2007 و2010 إلى ما معدّله 2.9 مليار في السنة بين عامي 2011 و2016 (تزامن هذا الانخفاض مع بداية الحرب السورية)، بحسب أرقام البنك الدولي. ويعود هذا الانخفاض، بإقرار كل التقارير المذكورة، إلى انخفاض الاستثمارات الخليجية.
أمّا المصدر الثاني وهو المغتربين، فتظهر أرقام البنك الدولي أن قيمة تحويلاتهم إلى لبنان ثابتة كمعدل سنوي منذ عام 2009، ولكن مع ازدياد عدد القوة العاملة في الخارج، فإن نسبة التحويلات للعامل الواحد قد انخفضت، وهذا يعود أيضاً إلى التحوّلات الاقتصادية التي تشهدها دول الخليج.
لم يبق، إذاً، إلا الطلب المحلي، وهو ضعيف ويعتمد على القروض أساساً.
أمام هذا الواقع يبدو من الصعب تصوّر ثبات الأسعار كل هذه المدة الطويلة (الذي لم يؤثر فيه الانخفاض الطفيف الذي أصابها أخيراً). هذا الثبات يفسّره تقرير البنك الدولي حول وضع المصارف اللبنانية، الصادر عام 2016، بسلة الحوافز التي قدّمها مصرف لبنان للمصارف عبر تقديم القروض لها بفوائد مخفّضة لتعيد إقراضها كقروض سكنيّة بفائدة أعلى (تترواح بين 3 و5%). هذه السياسة حافظت على أسعار العقارات ولكنها كشفت المصارف على أخطار قطاع الإسكان، ويصنّف التقرير هذه السياسة بالخطيرة على المصارف في حال انهيار أسعار العقارات. وما كُشف أخيراً عن تلاعب بعض المصارف بشروط الإقراض، إضافة إلى منحها لمضاربين، ما هو إلا القليل مما قد تسبّبه هذه السياسة من أخطار ستؤدّي في نهاية الأمر إلى انهيار أسعار العقارات في حال تخلّف عدد كبير من المقترضين عن السداد. علماً أن عودة الاستثمارات الخليجية لا تبدو قريبة، فالإنفاق العسكري الخليجي في ازدياد مطّرد، منذ بداية الحرب السورية مروراً بالعدوان على اليمن إلى اليوم. في مقابل ثبات نسبي لسعر برميل النفط في المدى القريب والمدى المتوسط. أمّا ارتفاع تحويلات المغتربين فلا يبدو احتمالاً معقولاً هو الآخر، لا سيما في ظل سياسات اقتصادية خليجية جديدة تعمد إلى خفض العجز المالي، بحسب صندوق النقد الدولي، ويدخل في صلبها فرض الضرائب على المواطنين والمقيمين على حد سواء، ممّا يقلّل الكتلة النقدية التي ستخرج من دول الخليج.
السؤال يبقى: لكم من الوقت ستبقى سياسات مصرف لبنان فاعلة في الحفاظ على أسعار العقارات في مستواها الحالي؟ وكيف يُعقل أن يحصل ذلك أمام شحّ الاستثمارات الخليجية، التي تذهب إلى المجهودات الحربية، وثبات تحويلات المغتربين المرتبطة بأوضاع دول الخليج الاقتصادية؟