جاء الاتفاق النووي بعد مفاوضات طويلة وشائكة بين إيران والدول الست (الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، روسيا والصين)، وقضى برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، في مقابل موافقتها على تقييد برنامجها النووي، ولا سيما برنامجها لتخصيب اليورانيوم، والسماح للمفتّشين الدوليين بمراقبة منشأتها.


إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرّر إطاحة هذا الاتفاق، على الرغم من اعتراف جميع المعنيين، بمن فيهم الأميركيون، بالتزام إيران تطبيق المبادئ التي نصّ عليها. وبرّر ترامب قراره الانسحاب من الاتفاق بأن إيران لم تلتزم تطبيق «روحه»، مشيراً إلى أنها ما زالت تهدّد أمن المنطقة واستقرارها عبر تدخلها في الحرب في كل من اليمن وسوريا، بالإضافة إلى استمرارها في دعم المنظّمات التي تصنّفها الولايات المتحدة الأميركية منظّمات إرهابية.

آلية فرض العقوبات مجدّداً
بموجب قرار ترامب، ستُفرَض عقوبات بنحو تدريجي على مجموعة من القطاعات الحيوية الإيرانية، على أن تُمنَح الشركات والأفراد مهلة 90 إلى 180 يوماً لإنهاء تعاملاتها مع إيران على النحو الآتي:
تسري مهلة تطبيق العقوبات في 6 آب على النشاطات التي تتضمّن شراء إيران لطائرات تجارية والخدمات المتعلقة بها، وعلى صادرات السجاد الإيرانية والمواد الغذائية إلى السوق الأميركية، وتسري العقوبات على النشاطات كافة المُتعلقة بالتعامل بالذهب والمعادن النفيسة، بالإضافة إلى المعادن الأُخرى كالحديد والألومينيوم والنشاطات المُتعلقة بالبرامج الصناعية وبقطاع السيارات، كذلك ستُفرَض عقوبات على أي جهة تساعد الحكومة الإيرانية في شراء أو الحصول على عملات بالدولار الأميركي.
المرحلة الثانية من العقوبات تبدأ في 4 تشرين الثاني، وتشمل فرض عقوبات على الشركات التي تقوم بتعاملات مع إيران مُتعلقة بصناعة النفط والبتروكميائيات وقطاعات التأمين والنقل والطاقة وقطاع المصارف والخدمات المالية، كذلك تشمل هذه المرحلة فرض عقوبات على المصارف والمؤسسات المالية الأجنبية التي تتعامل مع البنك المركزي الإيراني.

تحسّن مؤشرات الاقتصاد
خلال فترة العقوبات الأميركية بين عامي 2010 و2015 عانى الاقتصاد الإيراني من ركود حادّ، وُصف بالأسوأ في تاريخ البلاد. انخفض نموّ الناتج الإجمالي المحلي من 6.6% عام 2010 إلى -1.5% عام 2015، كذلك انخفضت صادرات النفط من 2.4 مليون إلى 1.4 مليون برميل يومياً، لتبلُغ خسائر إيران من انخفاض عائدات صادرات النفط نحو 160 مليار دولار بين عامي 2012 و2016.
تغيّر هذا الوضع بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015، إذ باتت إيران قادرة على تصدير نفطها في السوق العالمية واستخدام النظام المالي العالمي للقيام بالتعاملات المالية، بالإضافة إلى استعادتها 100 مليار دولار من موجوداتها المُجمدة في الخارج. ونتيجة لذلك، ارتفع الدخل القومي الإجمالي نحو 12.5% في السنة الأولى لرفع العقوبات، مدفوعاً بنحو أساسي بارتفاع عائدات النفط بنسبة تجاوزت 60%. ارتفعت أيضاً صادرات إيران الأخرى من المنتجات الكمالية كالسجاد والكافيار والفستق الحلبي، إضافة إلى ارتفاع ميزان التبادل التجاري مع الدول الأوروبية، كذلك نجحت الحكومة الإيرانية بالحدّ من مستوى التضخّم ووقف تدهور سعر صرف الريال الإيراني، الذي كان قد خسر ثلثي قيمته مقابل الدولار الأميركي عام 2012.


هذا التحسّن الذي شهدته إيران لم يدم طويلاً نتيجة القلق والارتباك في السوق الإيرانية، بعد تولي ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية. فخلال الأسابيع الماضية خسر الريال الإيراني 25% من قيمته في مقابل الدولار الأميركي، نتيجة سحب الودائع الأجنبية من المصارف الإيرانية. وتشير التقديرات إلى مغادرة نحو 30 مليار دولار أميركي السوق الإيرانية إلى دول مجاورة خلال الفصل الأول من هذا العام، بعد الأنباء عن نية ترامب إعادة فرض العقوبات على إيران، كذلك بلغ مُعدل التضخّم 8%، وبلغت نسبة البطالة 11%.

التداعيات الاقتصادية الطويلة المدى
تتوقف التداعيات الاقتصادية الطويلة المدى على الاقتصاد الإيراني على مدى نجاح الولايات المتحدة الأميركية بإلزام الحكومات والشركات الأجنبية بقرار ترامب، ومدى قدرتها على التعامل مع هذه الحكومات والشركات في حال عدم الالتزام. فمن المتوقع أن يؤدي فرض العقوبات إلى خفض تدريجي في إنتاج النفط الإيراني، قد يراوح بين 500 و700 ألف برميل يومياً، لكن نصف صادرات إيران من النفط تذهب إلى الصين والهند ونحو الربع يذهب إلى دول الاتحاد الأوروبي، وبالتالي عدم التزام هذه الدول العقوبات الأميركية سيحدّ من الخسائر الإيرانية، وهذا يتوقف على قدرة الإدارة الأميركية على فرض عقوبات على شركات الشحن والتنقيب والتأمين الأجنبية، كما قدرتها على ممارسة ضغوط مصرفية على هذه الشركات لدفعها إلى وقف تعاملاتها النفطية مع إيران.
يشكّل قرار ترامب تحدّياً للشركات الأجنبية التي عليها الاختيار بين التعامل مع إيران أو مواجهة العقوبات الأميركية


من ناحية أخرى، ستطاول الخسائر أطرافاً غير إيرانية، فبُعَيدَ رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران عام 2015 بدأ عدد من الشركات العالمية الكبرى إبرام عقود عمل مع الحكومة والمؤسسات الإيرانية بمليارات الدولارات، وبالتالي يُشكّل قرار ترامب بإعادة فرض العقوبات تحدّياً جدّياً لهذه الشركات، التي سيكون عليها الاختيار بين التعامل مع إيران أو مواجهة العقوبات الأميركية، ولا سيما أن قرار ترامب منحها فترة 90 أو 180 يوماً فقط لإنهاء عقودها في إيران.
أهم الشركات الخاسرة هي:
شركة «بوينغ»، التي وقّعت مع شركات إيرانية عقوداً بقيمة 19.6 مليار دولار، لتزويد إيران بـ110 طائرات، على أن يكون التسليم بين عامي 2017 و2025.
شركة «إيرباص»، التي التزمت بموجب عقد وقّع في كانون الأول 2016 تزويد الخطوط الجوية الإيرانية بمئة طائرة، تبلغ قيمتها 19 مليار دولار، وقد تسلّمت إيران حتى الآن ثلاثة طائرات منها، وعلى الرغم من أن «إيرباص» هي شركة فرنسية، إلا أنها خاضعة لقيود التصدير الأميركية، لكونها تشتري أكثر من 10% من قطع تصنيع طائراتها من شركات أميركية.
شركة «توتال» الفرنسية، التي وقّعت بالتعاون مع شركة صينية أخرى عقداً بقيمة 5 مليارات دولار لتطوير حقل للغاز الطبيعي في إيران.
لا شك في أن عودة العقوبات الأميركية ستشكل ضربة للاقتصاد الإيراني وعائقاً أمام تجارتها الخارجية، بالإضافة إلى الاضطراب في أسواق النفط العالمية، لكن لا بد من التريث لبعض الوقت لتبيان نتيجة اعتراض الدول الأوروبية على قرار ترامب، ومدى تحدّي الدول التي تعتمد عليها إيران في تجارتها الخارجية كالصين وكوريا الشمالية وتركيا.



43.6 مليار دولار
هي قيمة العقود المعرّضة للخسارة بعد إعادة فرض العقود الأميركيّة، والتي وقّعتها شركات بوينغ وإيرباص وتوتال مع إيران