هل صحيح أن نصف الناخبين اللبنانيين لم يشاركوا في الانتخابات الأخيرة؟ ربّما نعم، وربما لا، من يدري؟! فآخر تعداد للسكان في لبنان جرى في عام 1932، أي منذ 86 سنة، ومن يومها لا يوجد سوى تقديرات مبنية على منهجيات إحصائية مختلفة، تخضع لحسابات سياسية - طائفية تسعى إلى طمس الحقائق لا إظهارها، أو مبنية على سجلّات قيد تعتريها شوائب جوهرية كثيرة، وتضمّ أعداداً هائلة من المهاجرين، ممن أصبحوا مواطنين ومواطنات في دول أخرى.

بحسب إعلان وزارة الداخلية والبلديات، بلغت نسبة المقترعين في الانتخابات النيابية الأخيرة في لبنان نحو 49.6% من مجمل المسجَّلين على القوائم الانتخابية. سارع معظم المعلّقين إلى التعامل مع هذه النسبة كحقيقة إحصائية أو كمعطى نهائي، واتفقوا على أنها متدنية، واستنتجوا أنها تعبّر عن استنكاف نصف الناخبين عن ممارسة «واجبهم» الانتخابي، إمّا اعتراضاً وإمّا استهتاراً وإمّا بسبب فقدان الثقة وانعدام الحافز وغياب البدائل.



لا شك أن شريحة مهمّة من اللبنانيين لم ترَ أي جدوى من المشاركة في هذه الانتخابات لأسباب كثيرة ومتنوّعة، إلا أن تقدير عددها بدقّة دونه مصاعب جمّة، ما دام لا توجد قاعدة إحصائية موثوقة. وهذا لا يتعلّق بالانتخابات فقط، بل يطاول كل المؤشرات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية. فكما نحتاج معرفة عدد السكان كي نقدّر حصّة الفرد من الناتج، مثلاً، فإننا نحتاجه أيضاً لمعرفة عدد الناخبين كي نقدّر نسبة المقترعين منهم. وهذا بالتأكيد لا يتوافر من خلال القوائم الانتخابية التي ترتكز على إحصاء عام 1932، وما أضيف إليه عبر مراسيم منح الجنسية.
ضمّت «لوائح الشطب» في الانتخابات النيابية الأخيرة 3 ملايين و746 ألفاً و483 ناخباً وناخبة، من ضمنهم 82 ألفاً و965 سجّلوا أنفسهم في الخارج، فيما بقي 3 ملايين و663 ألفاً و518 مسجّلين كمقيمين في لبنان. إلا أن آخر تقدير لعدد اللبنانيين المقيمين الذين بلغوا سنّ الاقتراع (21 سنة)، يعود إلى عام 2012، أجرته إدارة الإحصاء المركزي، وهي المؤسسة الحكومية المخوّلة إعداد مثل هذه التقديرات، وقد بلغ مليونين و159 ألفاً و309 أشخاص، أي أقل مما هو وارد على القوائم الانتخابية بنحو مليون و504 آلاف و209 أشخاص. فإذا كان هذا التقدير مقبولاً، فإن نسبة المقترعين سترتفع كثيراً.
يختلف المتخصّصون في هذا الشأن. يقول رئيس مركز ماء - داتا للإحصاءات، أستاذ الإحصاء في الجامعة اللبنانية مصطفى سليمان، إننا «إذا استندنا إلى أرقام إدارة الإحصاء المركزي تكون نسبة الاقتراع مرتفعة، وإذا استندنا إلى أرقام وزارة الداخلية والبلديات تكون النسبة كما هو مُعلن. إلا أنني أشكّك بأرقام إدارة الإحصاء المركزي، لأن في علم الإحصاء، لا يُقدَّر السكان إلا بعد إجراء إحصاء سكاني شامل، وبحسب معايير الإسكوا إن أبعد فترة بين كل إحصاء شامل يجب ألا تتعدّى العشر سنوات». ويشرح سليمان أن «هذه المعايير غير مُطبّقة في الحالة اللبنانية، لكون آخر إحصاء سكاني شامل أجري عام 1932، وما أجري في عامي 1995 و1997، وتستند إليه إدارة الإحصاء المركزي، هو عبارة عن عينات أخذت لتقدير عدد السكان، ويعترف الخبراء الذين عملوا عليها بأن 60% منها غير صحيحة». يخلص سليمان إلى أنه كإحصائي «لا يمكنني القول إن نسبة الاقتراع كانت مرتفعة أو متدنية، لكونه لا يوجد أي إحصاء سكاني، ولا توجد بالتالي أرقام دقيقة. على سبيل المثال، تقديراتنا لعدد المقيمين في لبنان يراوح بين 7-9 ملايين نسمة، ولكن لا يمكن تأكيد ذلك إلا بعد إجراء إحصاء شامل للسكان، وهو ضروري لمعرفة السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي على الدولة أن ترسمها في مختلف المجالات».
إلا أن أستاذ الديموغرافيا في الجامعة اللبنانية، الباحث أسعد الأتات، لا يتفق مع سليمان. يوضح قائلاً «إن وزارة الداخلية تبني حساباتها لنسبة الاقتراع على عدد الناخبين الواردة أسماؤهم في لوائح الشطب، والتي تضمّ اللبنانيين المقيمين واللبنانيين في الخارج ومن يتحدّر من أصول لبنانية، لعدم قدرتها على معرفة عدد المقيمين الفعليين. في المقابل، إن إرقام الإحصاء المركزي ترتكز على التحقيق الإحصائي بالعيّنة لتقدير عدد المقيمين اللبنانيين، وتبلغ نسبة الخطأ فيه نحو 5%، وأغلبها في فئات العمر الصغيرة». يقول الأتات: «بما أن أرقام وزارة الداخلية أعلى من أرقام الإحصاء المركزي، فمن البديهي أن تكون نسبة الاقتراع بحسب أرقام الوزارة مُتدنية، ونسبة الاقتراع بحسب أرقام الإحصاء المركزي مرتفعة». ويشرح الأتات أنه «في عام 2012 أجرت إدارة الإحصاء المركزي آخر تحقيق إحصائي بالعيّنة، ولكنّه لم ينشر بطلب سياسي، لكونه أظهر انخفاض أعداد المقيمين اللبنانيين بنحو 200 ألف نسمة عمّا كانت عليه عام 2007، بسبب الهجرة السنوية التي تقدّر بنحو 30-40 ألف فرد. في حين أن الزيادة السنوية التي سجّلت في لوائح الشطب بلغت نحو 60 ألف فرد، بعد احتساب معدل الولادات السنوي المقدّر بـ100 ألف ومعدل الوفيات المقدّر بـ20 ألفاً (مع الإشارة إلى أن 21% من الولادات سُجّلت في الخارج، و6.5% من الوفيات أيضاً)». يقدّر الأتات عدد المقيمين اللبنانيين عام 2018 بنحو 3.5 ملايين نسمة، «هذا إن حسبنا الارتفاع الطبيعي في عدد السكان خلال هذه الفترة، دون الأخذ بالاعتبار النزف السكاني المُتمثل بالهجرة، فيما يقدَّر عدد الناخبين بنحو 2.2 مليون شخص، ما يعني أن نسبة الاقتراع في الانتخابات الأخيرة بلغت 84.6%».
للتواصل [email protected]