حسناً، عُقد مؤتمر «باريس 4» وأجريت الانتخابات اللبنانية. الأول، عُقدت وتُعقد عليه آمال كبيرة، وكانت حصيلة وعوده 11 مليار دولار، أكثريتها الساحقة قروض طويلة الأمد. والثانية، عُقدت عليها آمال أكبر، جزء منها مركنتيلي انتهازي مباشر، مثل أن يقول أحد الاقتصاديين، من دون خجل، أن الإنفاق الانتخابي من المرشحين «المقتدرين» سيؤدّي إلى إنعاش الاقتصاد، وصولاً إلى إعادة بناء الثقة، على الأقل، إن لم يكن إعادة بناء الدولة، لأن البناء الأخير طبعاً مستحيل حالياً.

انتهت هذه الإنتخابات إلى إعادة الأكثرية الساحقة من القوى السياسية التقليدية إلى البرلمان اللبناني. إذاً أكثرية ساحقة من الديون الجديدة، وأكثرية ساحقة من القوى التقليدية القديمة؛ هذا ما حصل عليه اللبنانيون في الشهرين الماضيين، اللذين يُعدّان الأكثر إثارة منذ زمن. هكذا تمخض الجبل وولد فأراً. فماذا الآن؟ وإلى أين؟ مواضيع عدة تَطرح نفسها بقوة اليوم، بينما تتحضّر الأحزاب الحاكمة لبدء مفاوضات تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب «السيادية» في نظامها الطائفي البغيض، فيما يتلهّى اللبنانيون، بقروية مُفرطة، باحتساب من حصل أكثر على أصوات تفضيلية ومن انتُخب من قبل طائفته أكثر من الآخر.

سيلفانو ميلو ــ البرازيل

أولاً، حول موضوع الثقة. يظنّ كثيرون، نتيجة البروباغندا التي تبثّها بعض الأقلام والخطابات، أن كل ما يحتاج إليه الاقتصاد اللبناني من أجل الانتعاش هو الثقة فقط، وهي بالطبع للمستثمرين، وخصوصاً الأجانب منهم، ففي ظلّها ستتدفّق أموالهم الطائلة وينعم لبنان واللبنانيون برفاه اقتصادي مرّة أخرى. لكن هذه الشبه - أسطورة تزيد من منسوب الاتكالية على الخارج، ولا أساس اقتصادياً لها. ففي معرض نقده لسياسات المصرف المركزي الأوروبي بعيد أزمة 2008، قال بول كروغمان أن هناك مبدأ متفائلاً جداً، إلى درجة البلاهة، سيطر على أروقة السلطة في عام 2010، في تبريرها لإجراءات التقشّف عبر اللجوء إلى ما أسماه «جنية الثقة» (confidence fairy)، أي إفعل ما تشاء وانتظر أن ينقذك أمر ما. طبعاً هذا يتماشى في شكل كبير مع الانحدار اللبناني نحو الغيب والقضاء والقدر.
ثانياً، حول موضوع الفساد. كَثُر الحديث عن الفساد في الفترة الانتخابية وكأنه التنين الذي يجب قتله. على الجميع أن يعي أن الفساد هو ليس فقط جريمة في لبنان، بل إن منظومة الحوكمة لنظام الطائف تجعل من المحاصصة وتوزيع الموارد الاقتصادية بين الأفراد والأحزاب الحاكمة أمراً واقعاً لا علاقة له بالقانون. وهنا تكمن المشكلة، لأن نظام المحاصصة أسوأ من فساد هنا أو هناك. فإذا قارنا بين منظومتين: الأولى، تراكم الرأسمال + بعض الفساد (سنغافورة، كوريا الجنوبية...) والثانية، محاصصة مذهبية + صفر فساد، فمن الواضح أن الأولى هي أفضل بكثير من الثانية على المستوى الاقتصادي! كما أن التركيز على الفساد له مفاعيل سياسية، والجميع يمكنهم ركوب هذه العربة، كما حصل خلال الانتخابات الأخيرة؛ فمن منهم لم يطلق شعار مكافحة الفساد؟ ومن منهم لم يلقِ قنابل دخانية حول السياسات الاقتصادية وتوزيع الدخل والثروة والسياسة الضرائبية، وجعل الموضوع الاقتصادي موضوع رعاة بقر وهنود حمر. وبالطبع لا هنود حمر في لبنان!
استمرار الوضع على ما عليه سيؤدّي إلى انفجار الدين، مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات على الاستقرارين المالي والنقدي


ثالثاً، معضلة الدين العام، التي وضعت لبنان في المرتبة الثالثة عالمياً بعد اليابان واليونان، لا تزال هي نفسها، لا بل مرشّحة إلى أن تزداد سوءاً. في شباط الماضي، قال صندوق النقد الدولي إن الدين العام في لبنان هو على طريق غير مستدام (unsustainable)، وهذا يعني أن استمرار الوضع على ما هو عليه سيؤدّي إلى انفجار الدين، مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات على الاستقرارين المالي والنقدي. في هذا الإطار، سيلعب «باريس 4» دوراً سلبياً من حيث زيادة الدين العام الخارجي بالتحديد. كما أن سياسة المصرف المركزي، التي أُعلن عنها مع وزارة المال أخيراً، وتقوم على استبدال سندات خزينة بالليرة اللبنانية في مقابل إصدار دين بالعملات الأجنبية، ستؤدّي إلى زيادة حصة الدين الخارجي المملوك من الصناديق الاستثمارية الدولية والمعروضة في الأسواق العالمية. وهذان الأمران، سيلقيان بظلالهما على ما يمكن اعتبارهما آخر خطّين للدفاع عن الاستقرار النقدي. الأول، هو ارتفاع حصة الدين الخارجي وبالعملات الأجنبية الذي سيُفقد لبنان إحدى متّكآته (cushion)، ألا وهو احتساب أموال المغتربين المتدفّقة عند احتساب عبء الدين العام، أو أقلّه سيخفّف منها. والثاني، هو انفتاح لبنان على الأسواق العالمية. إذ ترتكز قوة النموذج الاقتصادي على أمرين. الأول: الاقتصاد السياسي لسياسة التثبيت حافظ على هذا التثبيت النقدي، ومهما كانت المؤشرات سيئة، فإن تشابك المصالح بين الدولة والمصارف والمصرف المركزي كانت كفيلة بالدفاع عن الاستقرار. هذا الأمر لم يتغيّر. ولكن الأمر الثاني، وهو عدم وجود مستثمرين في السندات يخضعون لمنطق السوق وتقلّباته بدأ بالتغيّر. فبعد سنوات من التثبيت الناجح اعتبر المستثمرون الدوليون أن سندات اليوروبوندز المحمية من هذ الاقتصاد السياسي، هي أدوات استثمار آمنة جداً وذات عوائد مرتفعة جداً (وهذا من النادر حدوثه)، وبالتالي أصبحوا يستثمرون بها أكثر. تنبّه إلى ذلك بعض عاملي صندوق النقد الدولي في ورقة بحثية عام 2008 بعنوان «لبنان: تَجَنُّب العواصف الكبرى»، تشير إلى أن أحد أسباب هذا التجنّب هو أن لبنان لديه «بنية أسواق فريدة للدين العام مُسيطر عليها من المصارف المحلية ومن مستثمرين ومودعين مخلصين».
هذه المناعة وهذا «الإخلاص» بدآ يهتزّان. مؤخراً حصل أمران يؤشران إلى هذه القابلية للاهتزاز. في شباط الماضي، بدأت أسعار اليوروبوندز اللبنانية بالانخفاض وارتفعت العوائد عليها، وتكرّر ذلك بعد قرار ترامب الأخير في 8 أيار بوقف الاتفاق النووي مع إيران. إذاً، ما حمى لبنان من أن يحصل به أمر مشابه لما حدث في «أزمة التيكيلا» في المكسيك عام 1995، حين ألقى المستثمرون الأجانب سندات التيسوبنوس الحكومية، وما حدث أيضاً في أزمات مالية عدّة حول العالم منذ ذلك الوقت، قد بدأ يتعرّض للانكشاف بعد تزايد حملة السندات اللبنانية من المستثمرين «غير المخلصين»، إذ أصبح المستثمرون الدوليون يحملون 30% من إصدارات اليوروبوندز، أو ضعف ما كانوا يملكونه منذ سنوات عدّة، بحسب تقديرات أحد المصرفيين اللبنانيين في مقالة لبلومبرغ في آذار الماضي، مشيراً إلى «أن سندات الدين اللبنانية كانت ملاذاً آمناً في أوقات التقلبات السوقية لأنها كانت تلقى دعم المصارف المحلية».

المستثمرون الدوليون «غير المخلصين» أصبحوا يحملون 30% من إصدارات اليوروبوندز أي ضعف ما كانوا يملكونه منذ سنوات عدّة


وهنا نعود إلى مسألة استدامة الدين العام، وكيف يمكن أن يتطوّر في المستقبل. في الواقع، ثلاثة أمور ساعدت على خفض الدين العام إلى الناتج المحلي من أقصاه في 2006، وهي: انخفاض الفائدة بعد الأزمة الرأسمالية العالمية، و«باريس 3» الذي ساهم بتدفق رؤوس الأموال من الخارج ونمو الناتج المحلي السريع مدفوعاً بالفورة العقارية، وحصول فوائض أولية نتيجة عدم إقرار موازنات بين عامي 2006 و2017. الآن انتهت كلّ هذه الأمور. فالفوائد المحلية والعالمية إلى ازدياد، والنمو الاقتصادي متعثّر منذ 2011، والفوائض الأولية ستصبح من الماضي لأن التسيير الذاتي للإنفاق الحكومي انتهى. وبالتالي فإن لبنان مرشح لأن يتخطّى اليونان، وأن يصبح البلد الثاني في العالم بعد اليابان في عبء الدين العام.
«إن لبنان يبقى أزمة يُنتظر حدوثها»، هي ملاحظة كُتبت عام 2004 في معرض بحث عن الأزمات في ما كان يسمّى الأسواق الناشئة، ونورييل روبيني هو من الاقتصاديين القلائل في العالم الذي رأى قبل غيره أزمة 2008 العالمية. فهل أخطأ بخصوص لبنان؟ طبعاً، لا فرادة أو حماية إلهية أو حصانة ضد الحظ السيئ حمت لبنان، بل الاقتصاد السياسي هو الذي حماه من الأزمة، ولكن بأكلاف اقتصادية حقيقية كبيرة على رأسها سيطرة الرأسمال المالي، وسوء توزّع الدخل والثروة الناجم عن عوائد الرأسمال المرتفعة، واستمرار نمو الدين العام. لكن التغيرات الأخيرة وارتفاع الضغوط ودفع الحدود إلى أقصاها واضطرار المصرف المركزي إلى اتباع سياسات أقل ما يقال فيها إنها غير تقليدية، يجعل كثيرين يسألون، ليس فقط إلى أين، بل ربما السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى متى؟