تقديرات البنك الدولي لـ«ثروة الأمم»، على علّاتها المنهجية والأيديولوجية، تكشف واحدة من المفارقات الأساسية في لبنان، فهذا البلد الذي بنى إحدى «جنّات الأثرياء» في العالم هو في الواقع فقير بالثروات، ولا تتجاوز قيمة صافي ثرواته الإجمالية، بما في ذلك ثروته البشرية، 365.6 مليار دولار، بمعدّل 65 ألف دولار للفرد كمتوسط عام، وهو معدّل متدنٍّ بكل المقاييس.

يقدّر البنك الدولي قيمة مجمل الثروة اللبنانية بنحو 433.8 مليار دولار، من ضمنها «ثروة بشرية» تبلغ قيمتها 236.5 مليار دولار، وتشكّل أكثر من 55% من مجمل الثروة، بالإضافة إلى ثروات مادية، رأس مال منتج وموارد طبيعية، بقيمة 197.2 مليار دولار، تشكّل نحو 45% من الثروة الإجمالية، ومعظمها ناتج عن تقدير قيمة «الأراضي الحضرية»، أو بمعنى أوضح «العقارات المبنية».
دلالات هذه الأرقام لا تقتصر على أن الثروة اللبنانية هي بمعظمها «رأس مال بشري» و«عقارات»، وهما من أكثر المفاهيم المثيرة للإشكاليات النظرية والتطبيقية عند أيّ محاولة لمنحهما «سعراً» أو «قيمة سوقية».


إذ لا يمكن أن تُقاس قيمة البشر بسعر عملهم في «السوق»! ولا أن تُقاس قيمة الأرض، موئل البشر، بسعر الأبنية المشيّدة عليها؟ في الواقع، توجد انتقادات كثيرة وجوهرية في هذا الشأن، إلا أن ما يقدّمه البنك الدولي من تقديرات واستنتاجات، على علّاتها، يدلّ بوضوح على أن لبنان فقير نوعاً ما، حتى في هذا المفهوم الملتبس للثروة، وهو بعيد جداً عن متوسط حصة الفرد من الثروة المسجّل في مجموعة «الشريحة العليا من البلدان المتوسطة الدخل»، التي يُصنّف لبنان في عدادها. كذلك، تدلّ هذه التقديرات والاستنتاجات على الأثر السلبي الذي يحدثه النزف البشري (الهجرة)، إذ لا تتجاوز حصة الفرد المقيم في لبنان من «رأس المال البشري» 42 ألف دولار بالمقارنة مع 66 ألف دولار كمتوسط عام في هذه المجموعة، وهذا ينسجم مع الإحصاءات الأخرى المتاحة حول ضعف إنتاجية الاقتصاد اللبناني، بسبب نوعية «رأس المال المنتج» غير المنتج فعلياً، وبسبب هجرة نحو 817 ألف لبناني للعمل في الخارج، بحسب تقديرات البنك الدولي (الإدمان على تحويلات المهاجرين- ص 2)، معظمهم من العمالة الماهرة، المتخصّصة في وظائف ومهن يمثل العمل البشري فيها الجزء الأهم من القيمة المضافة. وأيضاً وأيضاً، تدلّ الأرقام إلى ضعف التراكم الرأسمالي ونزف الرساميل إلى جانب البشر، إذ يبلغ صافي الأصول الأجنبية المُسجّل في لبنان نحو 68.2 مليار دولار، وهذه القيمة تمثل رصيداً سلبياً (-) بين قيمة الأصول التي يحتفظ بها الأجانب في لبنان وقيمة الأصول التي يحتفظ بها لبنانيون في الخارج، وهي تشمل ملكيات الأسهم والمطلوبات والديون واحتياطات النقد الأجنبي والذهب.
تقتضي المنهجية المُعتمدة من قبل البنك الدولي تنزيل قيمة الرصيد السلبي الصافي للأصول الأجنبية من قيمة صافي الثروة لكلّ بلد، وبالتالي يقدّر صافي الثروة في لبنان بنحو 365.6 مليار دولار، بمعدّل 65 ألف دولار للفرد كمتوسط عام، وهذا المتوسط يساوي أقل من 58% فقط من متوسط حصة الفرد من الثروة في مجموعة الدخل التي تضم لبنان (113 ألف دولار)، ونحو 41% فقط متوسط حصة الفرد في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (159 ألف دولار)، علماً أن المتوسط ينخفض إلى 48 ألف دولار في هذه المنطقة بعد استبعاد البلدان مرتفعة الدخل منها، وهي جميعها غنيّة بالنفط والغاز (ولا سيما بلدان الخليج). ما يجعل متوسط حصة الفرد في لبنان أعلى من متوسط البلدان غير النفطية على الصعيد الإقليمي. وهذا يدلّ على أزمة بنيوية عامّة تواجهها جميع بلدان المنطقة بسبب تدهور قيمة العمل والأراضي الزراعية والمراعي ومواردهما وانخفاض قيمة رأس المال الصناعي. ويعود ذلك إلى قبول هذه البلدان، ولا سيما لبنان، بلعب أدوار بسيطة وهامشية في خدمة اقتصاد إقليمي ريعي وضعيف، لم يساهم إلا بزيادة حدّة التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية بين مجتمعات المنطقة وداخل كل مجتمع، وسمح بتركيز شديد للدخل والثروة يتجاوز المستويات الخطيرة المُسجّلة في بقية مناطق العالم، بحسب ما تبيّنه الدراسات الحديثة.
يجدر التذكير دائماً، أن هذه التقديرات لا تعبّر عن الواقع الاقتصادي الفعلي، وهي لا تعكس بأي شكل مسائل ملكية الثروة وأنماط تراكمها والتفاوتات الهائلة في توزّعها بين فئات المجتمع. كذلك توجد انتقادات كثيرة للمنهجية التي يعتمدها البنك الدولي في تعريف «ثروات الأمم» والنماذج التي يستخدمها لمنحها «قيمة» وفق معايير «السوق» و«أسعاره»، بوصفها مجرّد «رأس مال» يدرّ «عوائد رأسمالية». وهذا ينطبق تحديداً على تعريف «رأس المال البشري» و«تسعيره» كأي ملكية أو مورد طبيعي، وتسعير قيمة عمل البشر وفقاً لآليات الاستغلال المُصمّمة لاستخراج فائض القيمة، أو «الربح»، لا وفقاً للقيمة الإنسانية والقدرات الخلّاقة التي يختزنها البشر.
* للتواصل: [email protected]