يكاد سوء توزيع المداخيل والثروة يتحوّل أكثر فأكثر إلى سمة بارزة للاقتصاد اللبناني، بوصفه أحد أبرز وجوه الخلل البنيوي الحاصل في هذا النظام. هذا الواقع تؤكّده الدراسات الإحصائية المحلية المتعاقبة، وآخرها ما توصلت إليه دراسة الأحوال المعيشية للأسر في لبنان لعام 2015، التي نفّذها المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق على مرحلتين (2013 - 2015)، وبالاستناد إلى عيّنة مؤلّفة من 6037 أسرة موزّعة على مختلف المحافظات اللبنانية.


سوء التوزيع لا ينحصر بالمداخيل والثروات الفردية الخاصة، بل بسياسة إنفاق وتوزيع الأموال والثروات العمومية أيضاً، ما يتسبّب بتراجع مستمرّ في الأوضاع المعيشية لمختلف الأسر اللبنانية. فباستخدام الدليل المركّب للأحوال المعيشية لقياس درجة الإشباع من الحاجات الأساسية لدى الأسر اللبنانية المقيمة، يتبيّن أن نسبة الذين يعيشون في حالة من الحرمان ارتفعت من 29,7% إلى 36,3% خلال الفترة 2004 ــ 2015. وحتى الأسر التي كانت تتمتّع بنسبة إشباع عالية بلغت 26,8% سنة 2004 نجدها قد انخفضت إلى النصف تقريباً (13,2%) سنة 2015، ما يشير إلى تدهور مستمرّ في الأوضاع المعيشية لهذه الأسر.
هذا الحرمان لا يقتصر في الحقيقة على منطقة دون أخرى، فهو يطاول حتى العاصمة بيروت التي تضاعفت نسبة الحرمان فيها من 9% سنة 2004 إلى 27,4% سنة 2015. فيما بلغ الحرمان في السنة الأخيرة حدّه الأقصى في محافظة البقاع بنسبة 53,8%. كما أن هذه النسبة ترتفع إلى حوالى 56% و49% كمتوسط عام لكل المناطق اللبنانية سنة 2015 أيضاً فيما لو اعتمدنا مؤشري الأوضاع الاقتصادية وخدمات السكن على التوالي. كذلك بات أكثر من ثلث الأسر اللبنانية (33,1%) تعاني من الحرمان على صعيد الاحتياجات الصحية. وفي مؤشر على تدهور مستوى الخدمات العامة خلال الفترة 2004 ــ 2015، نجد أن نسبة الأسر التي تعاني من تدني نسبة الإشباع في ما خصّ خدمات السكن، بما فيها المياه والكهرباء ومعالجة النفايات، ارتفعت في شكل كبير من 29,8% إلى 49% كما سبقت الإشارة.
صار الاقتصاد المديني طارداً للرأسمال البشري والعمالة الماهرة شأنه في ذلك شأن اقتصاد الأطراف


وبالاستناد إلى متوسط مداخيل الأسرة المحسوبة على أساس إجمالي الرواتب الشهرية للأفراد العاملين ضمن الأسرة كمصدر رئيسي وليس الوحيد للدخل، بمعنى أن الدراسة لا تلحظ مصادر ثانوية أخرى مُحتملة للدخل، يتبيّن أن حوالى ثلث الأسر اللبنانية المقيمة (33,6%) من الأسر تعيش تحت مستوى خط الفقر الأعلى، والذي جرى تقديره بنحو 6,3 دولارات للفرد الواحد يومياً حتى عام 2013. هذا في حين تصل نسبة الأسر التي تعيش تحت خط الفقر الأدنى المقدّر بحوالى 4,1 دولارات للفرد يومياً إلى 15,2%. وتبلغ هذه النسب أعلاها في محافظات الجنوب والنبطية والشمال والبقاع.

تحويل متزايد للثروات والمداخيل
الأمر الذي ينبغي التوقف عنده ملياً، أن هذا المنحى الانحداري للأوضاع المعيشية للأسر اللبنانية يسير باتجاه معاكس تماماً للإنفاق العام في الدولة من جهة، ولتعاظم الأرباح وتراكم الثروة لدى قطاعات وفئات محدّدة من اللبنانيين تعمل وتعيش في بؤرة الأسر اللبنانية نفسها موضوع الدراسة من جهة أخرى. فغالبية مؤشرات الأحوال المعيشية لهذه الأسر كانت تتجه نزولاً خلال الفترة 2004 ــ 2015 كما أسلفنا أعلاه، في الوقت الذي كان فيه الإنفاق العام بحسب أرقام الموازنة العامة للفترة نفسها يتضاعف أكثر من مرتين ونصف مرة (2,67 مرة).

بالأرقام

33,6%
هي نسبة الأسر التي تعيش بأقل من 6,3 دولارات للفرد الواحد يومياً

15,2%
هي نسبة الأسر التي تعيش بأقل من 4,1 دولارات للفرد يومياً

22%
هي نسبة البطالة عند الشباب في فئة الأعمار 20 ــ 29 سنة

50%
هو معدّل الإعالة، أي نصف السكان تقريباً هم على عاتق النصف الآخر معيشياً


بما في ذلك الإنفاق الاستثماري العام الذي تضاعف بالنسبة نفسها تقريباً (2,8 مرة). ومعلوم أن هذه النفقات العامة يجري تمويلها في شكل رئيسي بواسطة الاقتطاعات الضريبية وغير الضريبية من الأسر ذاتها، والتي بدل أن تحصل على خدمات عامة أفضل ومستوى معيشة أرفع مقابل هذا التمويل، وجدت نفسها في حالة من الإفقار والحرمان المتزايد، الأمر الذي يطرح التساؤل ليس عن وجهة وكيفية إنفاق الأموال العامة المصروفة والتي جرى اقتطاعها من جيوب هذه الأسر وحسب، وإنما أيضاً عن مدى عدالة وكفاءة هكذا نظام توزيع للمداخيل والثروة في لبنان، ثبت بالحدّ الأدنى أنه غير قادر على التخفيف من عوارض التشوّهات الهيكلية للنظام الاقتصادي القائم، فكيف به إذا تحوّل إلى أداة لتحويل متزايد للثروات والمداخيل من أغلبية فقيرة إلى أقلية مُترفة. وهو ما يقودنا بطبيعة الحال إلى التشديد على ضرورة إعادة النظر بالسياسات المالية والنقدية والضريبية المعتمدة من جهة، ومنظومة الإدارة والسياسات الاقتصادية من جهة أخرى.
وهذه الدعوة للإصلاح المالي والضريبي والنقدي ليست بدافع اقتصادي بحت، وإنما لضرورات حيوية تتصل بوجود واستمرارية هذا الكيان قبل أي شيء آخر. ولا ينبغي الاستخفاف بأي حال بأبعاد المؤشّرات المذكورة أعلاه. فعوامل الهجرة والنزوح والطلاق والجرائم الاجتماعية على اختلافها، والتي باتت تحفر عميقاً في جسد المجتمع اللبناني كلها ليست من فراغ. وإنما هي أحد أهم إفرازات هذا التدهور في الأحوال المعيشية محلياً.

إعادة تحديد معنى الإنفاق الاجتماعي
لعل من أبرز إفرازات العوامل المشار إليها أعلاه أن أعداد الشباب في الفئات العمرية 25 ــ 49 سنة هي في تقلّص متزايد، مع الإشارة الى أن هؤلاء يشكّلون عادة ركيزة النشاط الاقتصادي لأي دولة. وذلك معطوف على تراجع معدل الذكورة أيضاً لدى عموم السكان، بحيث وصل إلى 48,2% (الحدّ الطبيعي هو 51%). وحتى هؤلاء ليسوا بأفضل حال كناشطين اقتصادياً. فمن جهة، البطالة تلقي بثقلها على ما يزيد على 11% من هؤلاء. لا بل إن هذه النسبة تتجاوز 22% عند الشباب في فئة الأعمار 20 ــ 29 سنة. ولا تستثني هذه البطالة الناشطين اقتصادياً من المستويات الجامعية بنسبة 14%. ومن جهة أخرى، يرتفع معدل الإعالة إلى النصف تقريباً، بمعنى أن نصف السكان تقريباً هم على عاتق النصف الآخر معيشياً.
وحتى العاملون من هؤلاء الناشطين اقتصادياً، فإن قسماً كبيراً منهم تصل نسبته إلى 46% يفتقر إلى أي شكل من أشكال التأمين أو التغطية الصحية، وهم يعملون من دون تأمين صحي وبانكشاف تامّ أمام انتشار الأمراض المزمنة، وخصوصاً مع وجود ما نسبته 35,2% من إجمالي أفراد العيّنة، وفق الدراسة، يعانون من خمسة أمراض مُزمنة رئيسة، هي: ضغط الدم المرتفع، السكري، أمراض القلب، الكولسترول والتهاب المفاصل.

يعكس تردّي أوضاع الأسر في المناطق كافة تدنّياً متواصلاً في الإنتاجية العامة للاقتصاد


وأهمية هذا المؤشر المتعلّق بالنشاط الاقتصادي أنه يتيح قياس معدل الإعالة، الذي يبلغ النصف في هذه الحالة، بمعنى أن نصف السكان تقريباً هم على عاتق النصف الآخر معيشياً.
كذلك فإن نسبة العزوبية (أي الامتناع عن الزواج) باتت تشكّل 39,3% من السكان في عمر 15 سنة وما فوق، ما يشير في نهاية الأمر إلى وصول المجتمع اللبناني إلى حافة الشيخوخة.
وعلى العموم، تظهر الدراسة اتساع الفقر وزيادة شدّته وعمقه، ولم تعد موازنات محدودة، على ما قدّرت إحدى دراسات البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة عام 2010، قادرة على انتشال الفقراء إلى ما فوق خط الفقر، ولا تفي بذلك أيضاً برامج مكافحة الفقر التي يشجّع عليها البنك الدولي. صرنا بحاجة إلى إعادة نظر جوهرية بالكثير من جوانب سياساتنا العامة، وإعادة تحديد لمعنى الإنفاق الاجتماعي ومعاييره وطرق تقويم جدواه.

سيطرة الاقتصاد الريعي
الجدير ذكره أن الدراسات في أواسط التسعينيات أظهرت وجود 50 بؤرة فقر موزّعة على مناطق طرفية تعاني من إهمال تاريخي ومن تبعات انهيار الزراعة. والآن، بعد مرور حوالى عشرين عاماً تبيّن أرقام المسح الذي أجراه المركز الاستشاري تفشي هذه البؤر في كامل الجغرافيا اللبنانية، بما في ذلك المنطقة المركزية والمدن الرئيسة المُزدهرة سابقاً. ومما لا شك فيه أن تدهور قطاعات الإنتاج السلعي ألحق أضراراً فادحة باقتصادات الأرياف، وحوّل الهجرة الداخلية إلى عبء متعاظم على كاهل المدن، التي تضرّرت بدورها من انهيار قطاع الخدمات وسيطرة الاقتصاد الريعي.
صار الاقتصاد المديني طارداً للرأسمال البشري والعمالة الماهرة، شأنه في ذلك شأن اقتصاد الأطراف. تعبّر عن ذلك المؤشرات التي توصلت إليها دراسة المركز الاستشاري، ومنها مثلاً أن نسبة البطالة لدى الجامعيين هي ضعف مثيلتها لدى الفئة الأدنى تعليماً (ابتدائي وما دون)، ويشكّل الأكثر تعليماً نسبة كبيرة من المهاجرين، مقارنة مع نسبتهم من السكان. صحيح أنهم يحصلون على رواتب أعلى قليلاً من المتوسط العام للرواتب البالغ 1160 دولاراً أميركياً. لكن فوارق الأجور لا تتناسب مع فوارق الإنتاجية المتوقّعة بين فئات العاملين وفق المستوى التعليمي، ولا تعكس البتة التكاليف الباهظة التي تتكبّدها الأسر والدولة على التعليم بشقّيه العام والخاص.
وبالمحصلة، يعكس تردي أوضاع الأسر في المناطق كافة تدنياً متواصلاً في الإنتاجية العامة للاقتصاد TFP، الذي لم يعد صالحاً لاستيعاب فائض الموارد البشرية، التي تطرق سنوياً أبواب سوق العمل (وليس فقط فائض العمالة). كانت المدينة ولا سيما العاصمة بيروت هي المقصد النهائي للعمالة الريفية والزراعية الزائدة، حيث يمتصها نمو الطلب على العمل، لكنها بعد تراجع قطاع الخدمات نفسه صارت العاصمة محطة تسفير مؤقتة للباحثين عن الانضمام إلى تيار الهجرة. هذا التيار الذي تسرّبت من خلاله وبكثافة العمالة المؤهلة والخبيرة والماهرة، على نحو يخفّض إنتاجية العمل وعوائده، في مقابل تضخم عوائد الأنشطة الاحتكارية والمالية والعقارية غير المرتبطة بالعمل. وهذا أحد العوامل الرئيسة لزيادة نسب الفاقة وارتفاع اللامساواة، الأمر الذي لم تخفّف من غلوائه موجات النمو التي عرفناها في بعض السنوات، بل ربما زادتها حدّة.