أعلنت الحكومة أن الديون القائمة، المترتبة عليها في نهاية 2017، بلغت نحو 79.5 مليار دولار. هذا الرقم يقتصر على قيمة أصل الدين من دون احتساب قيمة الفائدة المتوجبة عليه، وبالتالي هو رقم ناقص ولا يعبّر عن الحقيقة الكاملة. فوفق حسابات خاصّة، تستند إلى معلومات رسمّية حصلت عليها «الأخبار»، بلغ الدين الحكومي القائم (أصل وفائدة من دون المتأخّرات والالتزامات الأخرى) نحو 106 مليارات دولار، من ضمنها 26.5 مليار دولار تمثل تكاليف الفائدة المستحقّة التي لم يَحن موعد سدادها بعد.

يلجأ خبراء الاقتصاد «الرياضي» إلى حيل حسابية مختلفة لخدمة أفكار أو مصالح أو أحداث معيّنة. وهذا التصرّف ليس جديداً، ولا يقتصر على خبرائنا في لبنان، بل هو سمة من سمات الاقتصاد المُبتذل في كل مكان وزمان، الذي يستبدل الحجّة بالحيلة ويموّه الواقع بالوهم ويُدرّس كعلم في الجامعات.


طريقة احتساب المديونية اللبنانية تقدّم أحد الأمثلة المثيرة على التلاعب بالأرقام. كيف؟
تفيد الإحصاءات الرسمية أن «الدين العام الإجمالي» في لبنان بلغ نحو 79.5 مليار دولار في نهاية 2007، وأنه يمثّل نحو 150% من مجمل الناتج المحلي في السنة نفسها. هذه الإحصاءات، الصادرة عن وزارة المال، يتم استخدامها على نطاق واسع في التقارير والدراسات والتحليلات، بوصفها تُمثّل التعبير الحقيقي عن معضلة الدين المتفاقمة. ولكن، على الرغم من أن هذه الإحصاءات تضع المديونية العامة اللبنانية في المرتبة الثالثة عالمياً بعد اليابان واليونان (الأكثر مديونية في العالم - رأس المال - 26 آذار/ أبريل 2018)، إلا أنها إحصاءات ناقصة جدّاً، ولا تُعبّر إلا عن قسم مُحدّد من المُعضلة، وهو القسم المُتعلّق فقط بأصل الدين المعقود من قبل الحكومة (أي القيمة الاسمية للسندات والقروض في وقت الإصدار وليس قيمتها الفعلية في وقت الاستحقاق).
تفرض المنهجيات الأمثل أن تشمل إحصاءات المديونية العامّة مجمل الدين على الدولة لا دين الحكومة فقط (الدين العام: 138 مليار دولار - رأس المال - 16 نيسان/ أبريل 2018)، كما تفرض أن تشمل كلفة الفائدة المتوجبة السداد وليس قيمة الأصل فقط.
يُعرّف «دليل إحصاءات الدين»، الصادر عن 9 وكالات دولية معنية بالإحصاءات المالية، «المديونية» على أنها «مدفوعات مستقبلية وفاء لأصل الدين و/ أو الفائدة». ويوصي هذا الدليل بإدراج «تكاليف الفائدة المُستحقّة التي لم يحن موعد سدادها، كجزء من قيمة أدوات الدين الأساسية».
لا تلتزم الدولة اللبنانية بهذه التوصية، ولا تعلن «تكاليف الفائدة المُستحقّة»، بل تكتفي بإعلان مدفوعات الفائدة المُسدّدة سنوياً من موازنة الحكومة (من دون موازنات مصرف لبنان والمؤسسات العامّة الأخرى)، وهي، على الرغم من ذلك، تستنزف ثلث إنفاق الموازنة العامة ونصف الإيرادات (كلّنا في خدمة الدين - رأس المال - 12 آذار/ مارس 2018).
ماذا ستكون النتيجة لو طُبّقت هذه التوصية؟ كم سيبلغ الدين القائم بالفعل، أصلاً وفوائد؟
حصلت «الأخبار» على إحصاءات رسمية غير مُعلنة (تتحفّظ المصادر عن إشهار نفسها) يظهر فيها الحجم الفعلي للدين العام، ولكنّها للأسف تقتصر على دين الحكومة من ديون الدولة الأخرى. بحسب هذه الإحصاءات، بلغ مجموع الدين الحكومي، كما كان قائماً في نهاية عام 2017، بجميع العملات (أصلاً وفائدة مُتبقية)، نحو 106 مليارات دولار، يتوزّع بين: أصل الدين 79.5 مليار دولار (وهو حجم الدين الحكومي المعلن) + الفائدة المُستحقّة المتبقية عليه 26.5 مليار دولار.
وتفيد هذه الإحصاءات أن الدين الحكومي القائم (أصلاً وفائدة) يتألّف من الدين الحكومي بالعملة اللبنانية البالغ 62.5 مليار دولار (58.9% من مجمل الدين الحكومي)، وهو يتوزّع بين: أصل الدين بالليرة 49.1 مليار دولار + الفائدة المُستحقّة المُتبقية 13.3 مليار دولار. وكذلك، الدين الحكومي بالعملة الأجنبية البالغ 43.6 مليار دولار (41.1%)، وهو يتوزّع بين: أصل الدين بالعملة الأجنبية 30.4 مليار دولار + الفائدة المُستحقّة المُتبقية 13.2 مليار دولار.
وتظهر هذه الإحصاءات المثيرة أن مجمل الدين الحكومي (أصلاً وفائدة) تطوّر من نحو 7 مليارات دولار في نهاية عام 1994 إلى نحو 106 مليارات دولار في نهاية 2017، أي إنه تضاغف أكثر من 15 مرّة في 23 سنة. وتبيّن الإحصاءات نفسها أن مجمل الدين بالعملة الأجنبية ارتفع من أقل من 800 مليون دولار في نهاية عام 1994 إلى أكثر من 43.5 مليار دولار في نهاية عام 2017، من ضمنه 28 مليار دولار سندات دين خارجية «يوروبوندز» (أكثريتها الساحقة متداولة في السوق)، علماً أنها كانت تبلغ 400 مليون دولار في عام 1994، عند أول إصدار قامت به الحكومة لهذا النوع من السندات الأجنبية، وفتحت الباب واسعاً أمام احتمالات انفجار قنبلة الدين الخطيرة، ولا سيما بالعملات الأجنبية، التي لا تمتلك الدولة أي سلاح في مواجهتها عند استحقاقها، إلا تطبيق المثل الشائع: أكل العنب أم قتل الناطور؟ الرضوخ للدائنين أو حلاقة رؤوس أموالهم.
للتواصل: [email protected]