من الواضح أن الليبراليين في كل أنحاء أوروبا سعداء: لقد منع الرئيس ماتاريلا الشعبويين من القبض على الحكومة الإيطالية، مُجنّباً اتحاد اليورو أزمة جديدة. إلا أن فرحتهم لن تدوم طويلاً.

برأيي، إن قرار ماتاريلا سيئ لإيطاليا، وألمانيا وأوروبا، فيما القوة السياسية الوحيدة المُستفيدة هي رابطة الشمال - حزب يميني متطرّف يركّز حملاته ضد المهاجرين ويتناغم مع فلاديمير بوتين ومارين لوبان – وبنتيجته ستكون الديموقراطية الليبرالية الضحية الأكبر في إيطاليا وجوارها، بحيث ستتقلّص الأحزاب الوسطية إلى موقع هامشي عقب الانتخابات الإيطالية المُقبلة، وسيكون الصراع السياسي في الأشهر الآتية أكثر إثارة للجدل إن لم يكن عنيفاً، في حين سيتفاقم الشلل الأوروبي في مواجهة حالة اللااستقرار في إحدى أهم الدول الأعضاء فيها، وبالتالي سيكون على ألمانيا أن تعيش مع التداعيات.
ستتركّز نقاشات القانونيين، لفترة طويلة مُقبلة، حول دستورية استعمال الرئيس ماتاريلا حقّ الفيتو في وجه الحكومة المُقترحة، والتي تضمّ ائتلافاً من حزبين مناهضين للمؤسسات التقليدية، ويحظيان بالغالبية في البرلمان الإيطالي. والبداية مع إعلان حركة «خمس نجوم» نيّتها بدء إجراءات عزل الرئيس من منصبه، وما يقابل هذه الخطوة من اعتراضات حادّة يشنّها ليبراليون من يمين الوسط ويسار الوسط. ومع ذلك، يبدو واضحاً أن الأبعاد السياسية لقرار ماتاريلا ستبقى أكثر أهمّية من جوانبها القانونية.
الضحية الأولى لقرار ماتاريلا هي الديموقراطية الإيطالية
عبّر الرئيس عن خشية في الأسواق الدولية من تحكّم الشعبويين بالحكومة كمُبرّر لاستعماله الفيتو. ما يعني أن الأسواق بنظر الرئيس الإيطالي، لا الناخبين، هي في موقع يتيح لها تحديد مستقبل الجمهورية الإيطالية. وبعبارة أخرى، لا يمكن تأكيد صحّة الانتخابات إلّا إذا أدّت إلى نتائج ترحّب بها الأسواق وترضيها.
لم يُحدّد ماتاريلا كيفيّة تأسيس حكم الأسواق. هل من خلال أسعار البورصة المُتقلّبة، أو الإنتاجية، أو التجارة، أو الاستثمار، أو النمو؟ ومن هو الشخص الناطق باسم هذه الأسواق؟ أهي وكالات التصنيف أم صندوق النقد الدولي أو الرئيس بنفسه؟ في الحقيقة، للأسواق مفهوم عجيب للمصالح العامّة، وهو يقضي بتوزيع المنافع والأكلاف في شكل غير متساوي. لقد ولّد التحالف الوثيق بين الولايات المتحدة والأسواق تفاوتات هائلة، وعندما انفجرت الأزمة المالية في عام 2008، طُلب من المواطنين العاديين تحمّل الأعباء.
من هنا، على السياسيين أن يأخذوا الأسواق على محمل الجدّ، خصوصاً أن البرنامج الحكومي المُقترح يتناول سياسات اجتماعية عدّة من دون تحديد مصادر الأموال. لكن وعلى الرغم من ذلك، تبقى الديموقراطية دون أي معنى، إذ تحوّلت إلى أداة مُتبدّلة وموالية للأسواق. ومن غير المؤكّد، إن كانت الأسواق ستُعجب بطول أمد حالة عدم الاستقرار السياسي بسبب قرار ماتاريلا.

الاتحاد الأوروبي ضحية قرار ماتاريلا الثانية
أيضاً، توجّه الرئيس الإيطالي إلى مواطنيه بالإشارة إلى أن الحكومة المُقترحة، ولا سيّما وزير المال فيها، قد، أو حتماً، ستُخرج البلاد من منطقة اليورو. من الواضح أن الفائزين في الانتخابات الإيطالية هذا العام، ليسوا مُعجبين بالعقد المالي، ويعتقدون أن التقشّف المُفرط يعيق نمو إيطاليا.
هذا الموقف ليس متطرّفاً. اقتصاديون كبار، مثل بول كروغمان وجوزف ستيغليتز، يشاركون الموقف نفسه. وكذلك عدد من السياسيين الإيطاليين الليبراليين، من ماتيو رينزي إلى إيما بونينو. كما أن باولو سافونا، وزير المال المُقترح، يعدُّ من أبرز الاقتصاديين الإيطاليين، وشغل منصباً وزارياً سابقاً في حكومة يسار الوسط، وأمضى سنوات عدّة في دراسة التبعات المتوقّعة للخروج من الاتحاد الأوروبي، مع العلم أن الموقف الرسمي للائتلاف الحكومي لم يكن يفكّر بمغادرة منطقة اليورو، أو حتى الدعوة إلى إجراء استفتاء حول هذه القضية.
لنضع التكهّنات جانباً. ستبقى شرعية الاتحاد الأوروبي في معاناة مستمرّة، إذا ما تمّ دائماً اعتباره لاعباً حزبياً في سياسات الدول الداخلية. لقد رأينا ذلك في المملكة المتحدة وبولندا والنمسا وتشيكيا واليونان وهنغاريا. وبالتالي، إن إضافة إيطاليا إلى قائمة القوى المُدمّرة داخل الاتحاد سيعقّد السياسة الأوروبية أكثر. وبالتالي لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يزدهر من دون تعاون الدول الأعضاء فيه. وهو ما لا يمكن تحقيقه من خلال إخبار الناس بأن القرارات المُتعلّقة بمصيرهم تُصنع في بروكسل لا في عواصم بلدانهم.

الضحية الثالثة لماتاريلا هي ألمانيا
في كلّ مرّة تتعرّض فيها أوروبا لزلزال، تكون ألمانيا في الوسط، كما هي الحال هذه المرّة أيضاً. في الأسابيع الأخيرة، نشرت الصحافة الألمانية مقالات، وتحديداً دير شبيغل، وجدها عدد كبير من الإيطاليين مُسيئة، إن لم نقل عنصريّة وتتضمّن مشاعر كراهية تجاه غير الألمان. وعلى الرغم من محافظة الحكومة الألمانية على هدوئها، إلا أن ذلك لم يقدّم معطيات واضحة عمّا إذا كانت تدرك كيفيّة احتواء حالة اللااستقرار المُقبلة في أحد أكبر اقتصادات منطقة اليورو. هل برلين مستعدّة لأن تمدّ يدها إلى جيبها لتخفيف الضوابط المالية داخل بلدان اليورو؟ وهل من المُمكن إخضاع إيطاليا بالقوة كما حصل مع اليونان؟ وكم من مستعمرة يمكن لبروكسل وبرلين أن تديرا في أوروبا؟
لا يوجد في الأفق ما يوحي بأن هناك أي فرصة لنجاح كارلو كوتاريلي، الذي اختاره ماتاريلا، في مهمّته بتشكيل حكومة. بل ستجرى انتخابات جديدة قريباً، وتشير كل استطلاعات الرأي إلى أن «رابطة الشمال» ستفوز بأكبر عدد من المقاعد. وتظهر الاستطلاعات نفسها أن الأحزاب الليبرالية ستُدفع أكثر نحو هوامش السياسة الإيطالية. لا شكّ أن الديموقراطية لا ترتبط بالانتخابات فقط، لكن تجريد الفائزين فيها من إمكان تشكيل حكومة لا يمتّ إلى الديموقراطية بصلة. وفي هذا الجوّ العابق بالارتياب والفوضى يمكن للشعبويين أن ينموا فقط. والاستعداد لمرحلة أكثر وعورة في السياسة الأوروبية، لم يكن من الضروري أن تكون بهذه الطريقة.
* ترجمة فيفيان عقيقي
بترخيص من socialeurope.eu

*أستاذ السياسة الأوروبية في جامعة أكسفورد، وزميل رالف داهرندورف. بروفيسور في كلية سانت أنتوني، وسبق أن عمل في جامعة وارسو، وليدن ومعهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا. صدر كتابه الأخير عن مطبعة جامعة أكسفورد تحت عنوان «الثورة المضادة: أوروبا الليبرالية إلى تراجع».