يخوض عمّال الشركة الوطنية للسكك الحديد الفرنسية إضراباً مستمراً منذ 3 نيسان الماضي لمواجهة «إصلاحات» الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. يُعدّ هذا الإضراب أهم تحرّك عمّالي واجتماعي منذ عام 1995، عندما نجحت النقابات العمّالية في إسقاط مشروع رئيس الوزراء ألان جوبي للمسّ بمكتسبات التقاعد والضمان الاجتماعي. منذ ذلك الوقت، لم تحقّق النقابات العمّالية أي إنجاز مفصلي في مواجهة الإصلاحات البنيوية للحكومات الفرنسية المُتعاقبة. لذلك، يكتسب الصراع الحالي أهمية الغة، وربّما حدّد مصير فرنسا الاقتصادي والنقابي المستقبلي.


في 14 آذار الماضي، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد فيليب الإصلاحات المُرتقبة للشركة الوطنية للسكك الحديد، أي المؤسّسة العامة التي تحتكر النقل السككي في فرنسا. وتتضمّن هذه «الإصلاحات» إلغاء الوضع الخاص للمستخدمين في الشركة، الذي يمنح نحو 131 ألف عامل أماناً وظيفياً لمدى الحياة، وإمكانية التقاعد المُبكر على عمر 52 عاماً، ومنع الصرف من الوظيفة لأسباب اقتصادية. لكن الأكثر خطورة يكمن في أن هذه الإصلاحات تأتي ضمن إطار سعي الحكومة إلى تغيير الوضعية القانونية للمؤسّسة من شركة عامة إلى شركة مُساهمة ذات تمويل عام، تمهيداً لخصخصتها وفتح السكك الحديد أمام المنافسة تماشياً مع متطلبات الاتحاد الأوروبي. ففيما يبدو هذا التغيير شكلياً، ما دام تمويل الشركة عامّاً، أقدمت الحكومات الفرنسية على خطوات مماثلة سابقاً في شركتي البريد والاتصالات الوطنيتين، أدت إلى خصخصتهما كاملاً.

ماكرون وتجذير النيوليبرالية
تأتي هذه الإصلاحات في سياق سلسلة من الإجراءات التي تطاول نظام العمل في القطاع الخاص، كما النموذج الفرنسي الاجتماعي الذي بقي صامدًا على الرغم من بعض الاهتزازات. في السنة الماضية، نجح ماكرون في فرض تغييرات على قانون العمل تطاول العمّال في القطاع الخاص على الرغم من اعتراض النقابات.

11%

هي نسبة الانتساب إلى النقابات العمّالية في فرنسا اليوم بعد أن انخفضت من أكثر من 15% في عام 1983 وهي من النسب الأدنى في أوروبا

فقد أدّت هذه التغييرات إلى خفض التعويضات للعمّال إثر الصرف التعسفي، كذلك فإنها تقلّل من عدد الممثلين عن العمّال في الهيئات الثنائية التمثيل داخل المؤسّسات، وتتيح للشركات الصغرى أن تدخل تعديلات على شروط العمل من دون التشاور مع النقابات، وتسهّل تسريح العمّال لأسباب اقتصادية، وتسمح أيضاً بمزيد من العقود القصيرة الأمد. فشلت الحركة النقابية في وقف هذه التعديلات، فهي من ناحية لم تستطع تحشيد العمّال والناس بنحو كافٍ، ولم تنجح أيضاً في المحافظة على وحدتها بعد أن عقد ماكرون اتفاقًا مع أكبر اتحاد نقابي في فرنسا، هو الاتحاد العمّالي العام الديموقراطي الفرنسي، القريب من الحزب الاشتراكي، ما أدّى إلى انسحابه من التحرّكات. وسطّرت هذه المحطّة انتصاراً لماكرون في أول كباش له كرئيس جمهورية مع النقابات العمّالية. وأعطته دفعاً لفرض المزيد من التغييرات الهيكلية المدفوعة بالأيديولوجيا النيوليبرالية القائمة على إلغاء حقوق العمل وإعطاء المحفّزات لرأس المال. ففي العام الماضي أيضاً، أُدخِلَت إجراءات ضريبية لمصلحة الأغنياء، أبرزها خفض الضريبة على الثروة بـ70% وإلغاء الضريبة التصاعدية على الأرباح الرأسمالية التي كانت تصل إلى 45% واستبدال ضريبة موحّدة بها، تبلغ 30%.

إلغاء النموذج الاجتماعي الفرنسي
تكتسب المواجهة الحالية بين عمّال السكك الحديد وماكرون أهمّية خاصة ومفصلية، من المرجح أن ترسم نتائجها المرحلة المُقبلة وأن تحدّد وجه فرنسا الاقتصادي والاجتماعي. فهذا الصراع سيقرّر ما إذا كانت فرنسا ستركب بنحو كامل قطار النيوليبرالية، على غرار جيرانها في الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً بريطانيا، حيث جرت خصخصة معظم الخدمات والشركات العامة منذ عقود، وطغى على سوق العمل الهشاشة والقلق عند القطاعين الخاص والعام (75% من المستخدمين يعملون بعقود غير محدودة الأجل). أو أن نتيجة هذا الصراع ستحافظ على نموذج دولة الرعاية الاجتماعية والخدمات العامة خارج منطق السوق.


هذه المواجهة شبيهة بتلك التي خاضها عمّال المناجم مع مارغريت تاتشر في بريطانيا، وهي المعركة التي حسمت التحوّل النيوليبرالي العميق الذي طبع اقتصاد بريطانيا حتى يومنا هذا.
بالإضافة إلى التعديلات التي تطاول الإجراءات الضريبية وقانون العمل، يحاول ماكرون فرض «إصلاحات» على النظام الجامعي، لإلغاء المساواة في مجال التسجيل في الجامعات لمصلحة إدخال شروط للقبول المُسبق في الجامعات، بحيث تعالج الجامعة كل طلب فردياً، وتقرّر قبول الطالب من عدمه وفق علاماته وسيرته الذاتية، على غرار الأنظمة المُعتمدة في بريطانيا والولايات المتحدة. كذلك يقترح هذا «الإصلاح» رفع رسوم التسجيل.


ومع الهجوم على عمّال السكك الحديد وظروف عملهم، يعمد ماكرون إلى استخدام منطق الصدمة من أجل فرض تغييرات جذرية بدفعة واحدة، من شأنها أن تغيّر النظام الاجتماعي الفرنسي بنحو عميق، حيث يكون الصراع الحالي على الشركة الوطنية للسكك الحديدية المدخل الرئيسي كي يكمل ماكرون مشروعه نحو صرف 120 ألف عامل في القطاع العام، وإلغاء حمايات الموظّفين العموميين، والمسّ بأنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي، إذ إنه سيكون قد كسر الجسم العمّالي الأقوى في فرنسا. بالفعل، يُعَدّ عمّال السكك الحديد العمود الفقري للحركة النقابية الفرنسية منذ تأسيس الشركة الوطنية، فدخولهم في التحرّكات النقابية والاجتماعية يكون عاملاً مفصلياً في نجاحها، نظراً لنضاليتهم العالية وانتماء معظمهم إلى النقابات القريبة من الحزب الشيوعي واليسار الراديكالي. فقدرتهم التعطيلية عالية، وهم يستطيعون شلّ فرنسا بأكملها، لكونهم يسيّرون شبكة التنقّل الأكثر استخداماً لدى الفرنسيين. كذلك إن نسبة الانتساب النقابي بينهم تصل إلى 18%، وهي الأعلى في فرنسا.
منذ 3 نيسان الماضي، يضرب العمّال يومين كل خمسة أيام، وقد كلّف هذا الإضراب الشركة نحو 400 مليون يورو حتى يومنا هذا. ففيما يؤلّب ماكرون الرأي العام الفرنسي على عمّال القطاع العام تحت حجّة أنهم ذوو امتيازات خاصة وكسولون (60% يؤيدون الإصلاحات)، يخوض العمّال معركتهم دفاعاً عن الخدمات العامة التي تساوي بين جميع المواطنين. إذاً، المعركة تأخذ بعداً يتخطّى السكك الحديد، إذ لا مبرر اقتصادياً لإدخال هذه التعديلات، التي تنطلق من خلفية أيديولوجية بحتة، لكون الشركة حقّقت أرباحاً وصلت إلى 1.3 مليار يورو السنة الماضية، وهي من الأفضل في أوروبا.

إثبات جدوى النقابات العمّالية الفرنسية
في خضمّ هذه المعركة مع ماكرون، تخوض النقابات العمّالية من خلال عمّال السكك الحديد صراعاً داخل الصراع، وهو حول أفول الحركة النقابية الفرنسية أو إعادة ولادتها وتجدّدها. تشهد النقابات العمّالية تدهوراً في نسبة الانتساب، التي انخفضت من أكثر من 15% في عام 1983 إلى 11% اليوم، وهي من أدنى النسب في أوروبا. وتعكس العضوية النقابية الشرخ القطاعي، حيث إن نسبة الانتساب لدى العمّال في القطاع العام هي ضعف زملائهم في الخاص.

ويشير ذلك إلى ضعف الثقة في العمل النقابي الذي يزداد بيروقراطية مع حصر نزاعات العمل في المجالس المشتركة داخل أماكن العمل، ما يحوّله من نضال مطلبي وصراعي إلى عمل وساطات وتسويات. ويضاف إلى ذلك ازدياد نسبة العمل الهشّ في فرنسا، أي العمّال ذوي العقود القصيرة، والعمل الجزئي وغيرها من أشكال الأعمال التي لا توفر الحماية، لتشكّل 17% من مجمل الأجراء، وهؤلاء غير ممثلين في التنظيمات النقابية. وظهر ذلك خلال الاحتجاجات ضد تعديل قانون العمل السنة الماضية، الذي يرجَّح أن يفاقم أزمة الهشاشة لدى العاملين، إذ إن النقابات العمّالية لم تنجح بالتحشيد، وذهبت بعض النقابات لعقد اتفاقات جانبية مع الحكومة حين كانت التظاهرات بأوجها. بالإضافة إلى ذلك، كانت مشاركة عمّال سكك الحديد، وعمّال القطاع العام بالمجمل، ضعيفة، ما سهّل إمرار التعديلات.
ويعبّر ذلك عن ضعف التضامن العمالي، فضلاً عن أن الثقل النقابي هو في القطاع العام من جهة، وعن قصر النظر من جهة أخرى، إذ إن عدم انخراط عمّال سكك الحديد في الاحتجاجات مردّه إلى أن التعديلات لا تمسّ بهم، لكن انتصار ماكرون في هذه المواجهة هو ما مهّد له الطريق للانقضاض على عمّال السكك الحديد وشركتهم.
إذاً، الصورة ليست واضحة الآن. من جهة، يراهن ماكرون على دعم الفرنسيين لخطّته بإلغاء الشروط الخاصة لعمّال السكك الحديد، كما على انسحاب بعض النقابات من التحرّكات، وخصوصاً التنظيم الأكبر فيها، أي الاتحاد العمّالي العام الديموقراطي الذي يفضّل الحوار على المواجهة. ومن جهة أخرى، يراهن العمّال على قدرتهم التعطيلية وشلّ فرنسا وانقلاب الفرنسيين على الرئيس وتمسّكهم بالخدمات العامة.
هذا الصراع سيقرّر ما إذا كانت فرنسا ستركب قطار النيوليبرالية أو ستحافظ على نموذج دولة الرعاية الاجتماعية

لكنّ الأهم من ذلك، تعتمد النقابات العمّالية على انضمام قطاعات أخرى من الفرنسيين واستيائهم من سياسات ماكرون، كطلاب الجامعات والمدارس الذين يمثلون قوة نضالية مهمّة. ولكن من أجل تحقيق ذلك يتحتّم على النقابات لجم نزعتها التسووية لمصلحة منطق الصراع والمواجهة.
هل ينتصر ماكرون ويعلن كسر العمود الفقري للحركة النقابية، ويعبّد الطريق لتعميم الهشاشة على كل فئات العمّال، وخصخصة ما بقي من خدمات عامّة؟ أم تكون هذه المعركة فرصة لإعادة تجديد الحركة النقابية الفرنسية على أسس جديدة، وتأسيس حركة نقابية واجتماعية تتخطّى أماكن العمل، التي بانتصارها يمكن أن تشكّل نقطة تحوّل ليس في فرنسا فحسب، بل في أوروبا أيضاً؟