أصدرت إدارة الإحصاء المركزي (CAS)، بعد انتظار طويل، التقديرات الرسمية للحسابات القومية لعام 2016، وهي تتضمّن حسابات الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، وتوزّعه وفق مكوّنات الإنفاق (الاستهلاك وتكوين رأس المال وصافي صادرات السلع والخدمات) وتوزّعه أيضاً وفق النشاط الاقتصادي (القيمة المُضافة المُنتجة في كل قطاع أو نشاط). ولكن للأسف، لا توفّر هذه الحسابات، التي تغطي الفترة من 2004 إلى 2016، أي تقديرات بشأن توزّع الناتج وفق الدخل (الأرباح والأجور)، وهو ما يُعدُّ ثغرة مهمّة من الواجب سدّها فسحاً في المجال أمام تحليل أكثر موثوقية لمسائل توزُّع الدخل في لبنان بين العمل ورأس المال، ولا سيما أن التقديرات (غير الرسمية) المتداولة على نطاق واسع تفيد بأن المجتمع اللبناني يشهد تحوّلاً جارفاً على هذا الصعيد، إذ تتراجع حصّة الأجور من الناتج المحلي باطراد، وربّما بلغت حالياً نسبة 20% إلى 25% فقط من مجمل الناتج المحلي، مقارنةً بـ 35% في حسابات عام 1997، و55% في الحسابات قبل الحرب (1974).


فإذا كانت هذه التقديرات صحيحة، فإنها تفسّر أموراً كثيرة في وضعية الاقتصاد القائمة، وتشير إلى مخاطر كبيرة في الحاضر والمستقبل. وتبرّر إدارة الإحصاء المركزي هذا النقص بمحدودية البيانات المُتاحة لديها حول الدخل، وتقول إنّ «من المستحيل تكوين مجموعة كاملة من الحسابات القطاعية، وتحديداً من الصعب إنتاج حسابات للأسر المعيشية وقطاع الشركات غير المالية، إذ لا تتوافر سوى الحسابات القطاعية المُتعلّقة بالمصارف والحكومة فقط».
ماذا تخبرنا الحسابات القومية الصادرة أخيراً؟ في ما يأتي ملخَّص بأبرز النتائج، كما أعدّته إدارة الإحصاء المركزي، مع تعريف بالمصطلحات والمفاهيم وملاحظة الإدارة نفسها على جودة هذه البيانات وضرورة تحسينها وزيادة درجة الثقة بها


النشاط اللانظامي
الحال في لبنان، كما في كثير من البلدان الأخرى، هناك نشاطات اقتصادية تُمارس بصورة غير نظامية وهي غير مسجّلة. قدّرت حصة هذه النشاطات بنحو 30% من الدخل المُحقّق من النشاطات المُسجّلة، وأُدرِجَت في تقديرات الحسابات الوطنية لتغطية قيمتها، علماً بأن هذه الحصة غير مؤكّدة، وفق المعايير المعمول بها.

اقتصاد مُشرّع للاستيراد
يعدُّ انكماش الناتج المحلي الإجمالي مؤشراً على التضخّم المحلي للاقتصاد الكلي. ويُعرّف ذلك بمعامل الانكماش الضمني، وهو يحتسب من خلال مقارنة الناتج المحلي الإجمالي بأسعار السوق الحالية، وحجم هذا الناتج، بدلاً من قياسه مباشرة مثل أسعار المستهلك. إن معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي ــ وهو مؤشّر على تغيرات كاملة في أسعار الاقتصاد ــ بقي إيجابياً في عام 2016 (1.4%) على الرغم من مستواه المُنخفض. في حين أن مؤشرات أسعار مكوّنات الإنفاق في الناتج المحلي الإجمالي تظهر كلّها انخفاضاً: الإنفاق الاستهلاكي النهائي: -1% ، تكوين رأس المال الإجمالي: -6% ، الصادرات: -2% ، الواردات: -8%
لفهم هذا الوضع، يجب إدراك أن الاستهلاك النهائي للأسر مكوّن من جزأين: أحدهما مستورد، والآخر من إنتاج محلي. ويتركّز في شكل رئيسي على توفير الخدمات (المسكن، والخدمات المالية، والتجارة). وكما هو مُبيّن أعلاه، يظهر أن أسعار الواردات انخفضت في مقابل ارتفاع المنتجات المحلية بصورة طفيفة.
يمثّل مؤشّر سعر الاستهلاك النهائي (-1%) المتوسّط المرجّح لهاتين الحركتين المتعاكستين، وهو يعبّر عن إحدى سمات الاقتصاد اللبناني المشرّع في شكل واسع وكبير للواردات.


GDP: الناتج المحلي الإجمالي 51.5 مليار دولار
يقدَّر الناتج المحلي الإجمالي (GDP) بأسعار السوق، في عام 2016، بنحو 77.6 تريليون ليرة لبنانية (51.5 مليار دولار). ويُعرّف هذا الناتج بأنه يساوي مجموع قيمة السلع والخدمات المُنتجة في اقتصاد الدولة بعد حسم مجموع قيمة السلع والخدمات المُستخدمة في عملية الإنتاج (وفق «نهج الإنتاج للقياس»). ويساوي هذا الناتج أيضاً مجموع نفقات الاستهلاك (الأسر والحكومة)، زائد (+) تكوين رأس المال الثابت (الخاص والعام) الإجمالي، زائد (+) صافي الصادرات من السلع والخدمات (قيمة الصادرات ناقص (-) قيمة الواردات منها وفق «نهج الإنفاق للقياس»).

ملف 1


باختصار، يقيس الناتج المحلي الإجمالي القيمة المُضافة لكلّ المقيمين المُنتجين، التي تساوي مجموع دخلهم الأولي (أي تعويضات العاملين ودخل الملكية وقيمة الفائدة وأرباح الأسهم وغيرها...)، والتي تضاف إلى دخل الفرد نتيجة مساهمتها المباشرة وغير المباشرة في الإنتاج. ووفق هذه الطريقة، يساوي (=) الناتج المحلي الإجمالي القيمة المُضافة الإجمالية بالأسعار الأساسية، زائد (+) الضرائب على المُنتجات، ناقص (-) الدعم الحكومي على المنتجات.
تمثّل القيمة المُضافة الإجمالية قيمة الناتج المبيع بأسعار «أساسية»، أي بعد حسم تكلفة المدخلات المستخدمة في إنتاجه. و«الأسعار الأساسية» هي أسعار المُنْتجين بما فيها الدعم الحكومي، قبل إضافة الضرائب المُستحقة الدفع على منتجاتهم. أمّا الضرائب على المنتجات في حالة لبنان، فتتضمّن ضريبة القيمة المُضافة ورسوم الاستيراد. ووفقاً لأصول المحاسبة العمومية، تتضمّن أيضاً أرباح المؤسّسات العامة التي تُحدّد أسعار خدماتها على مستوى يؤمّن ويولّد إيرادات للحكومة، كما هي حال قطاع الاتصالات في لبنان مثلاً. من جهة أخرى، يشمل الدعم الحكومي الخسائر التي تتكبّدها المؤسّسات العامة، نتيجة تحديد أسعار لقاء خدماتها بمستوى أقل بكثير من تكاليفها. وهذه حال الكهرباء في لبنان.

ملف 2


في عام 2016، سجّل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بنسبة 1.7%، وهو أعلى بنسبة 11% مما كان عليه في عام 2010. وعلى الرغم من تباطؤ النمو في عام 2011، إلا أنه بقي إيجابياً (0.9%)، وارتفع إلى 2.8% في عام 2012، و2.7% في عام 2013، لينخفض في عام 2014 إلى 2.0%، ويسجّل في عام 2015 أدنى مستوياته (0.2%).
من جهة أخرى، انخفض معدّل التضخّم في الاقتصاد المحلي، الذي يُقاس بواسطة معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي، في شكل تدرّجي ولأربع سنوات متتالية، من 6.9% في عام 2012 إلى 1.4% في عام 2016.


GNI: الدخل القومي الإجمالي 50.7 مليار دولار
الناتج المحلي الإجمالي، كمقياس تجميعي للإنتاج، لا يُبيّن في الواقع إلا إنتاج الوحدات المُقيمة داخل حدود الدولة (بمعزل عن هوية المُنْتجين)، وبالتالي فهو لا يشمل جميع الأنشطة الإنتاجية للسكّان، التي يتحقّق جزء منها في الخارج، ولا يأخذ في الحسبان الأنشطة الإنتاجية في الدولة، التي يتحقّق جزء منها بواسطة غير المقيمين.
يُقدَّر الدخل القومي الإجمالي (GNI) في عام 2016 بنحو 76.4 تريليون ليرة (50.7 مليار دولار)، وهو أدنى من الدخل المحلي الإجمالي (51.5 مليار دولار)، ويُعدُّ هذا الحساب أكثر تحديداً للدخل من الناتج المحلي الإجمالي.
يُحتسَب الدخل القومي الإجمالي عبر إضافة صافي الدخل الأولي الخارجي إلى قيمة الناتج المحلي الإجمالي، أي الدخل الأولي الوارد إلى الدولة من الأفراد غير المُقيمين، ناقصاً الدخل الأولي الصادر عن الدولة إلى غير المُقيمين. ويشمل صافي الدخل الأولي تعويضات العاملين التي تُدفع إلى غير المُقيمين والتي يتلقّاها الاقتصاد، كذلك يشمل الجزء من الدخل الأولي الذي يولّد داخل الدولة ويتّجه إلى وحدات غير مُقيمة، مثل الفائدة التي تدفع إلى الدائنين الخارجيين أو العائدات التي تُدفع لمالكي الأسهم غير المُقيمين.
باختصار، الدخل القومي الإجمالي يساوي (=) قيمة الناتج المحلي الإجمالي، زائد (+) تعويضات العاملين ودخل الممتلكات من بقية العام، ناقص (-) تعويضات العاملين ودخل الممتلكات إلى بقية العالم. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الحساب لا يشمل التحويلات الخارجية الجارية من الدولة وإليها، ولا سيما تحويلات المغتربين.
في العام الماضي، وكما في الأعوام السابقة، سجّل صافي الدخل الأولي الخارجي قيمة سلبية بلغت -1.2 تريليون ليرة (800 مليون دولار)، مقارنةً بـ -808 مليارات ليرة في عام 2015، و-778 مليار ليرة في عام 2014، و-439 مليار ليرة في عام 2013. وهذه التقديرات تفيد بأن قيمة الدخل الأولي الذي يحقّقه غير المقيمين في لبنان أعلى من قيمة الدخل الأولي الذي يحققه المُقيمون في الخارج، أو بمعنى أوضح، يأخذ المستثمرون والعاملون في بقية العالم دخلاً أولياً مُحقّقاً في لبنان أكثر من الدخل الأولي الذي يأخذه المُقيمون في لبنان من بقية العالم.
ارتفع الدخل القومي الإجمالي بنسبة 2.6% مقارنةً بعام 2015، وكان في عام 2016 أعلى بنسبة 9.7% من عام 2013. وللأسف، لا تتيح الحسابات القومية الصادرة فرصة المقارنة على فترات أطول، إذ لا يغطي حساب الدخل القومي الإجمالي إلا الفترة الأخيرة (2013 - 2016).


GNDI: الدخل القومي الإجمالي المُتاح 53.6 مليار دولار
لا يُعبّر الدخل القومي الإجمالي (50.7 مليار دولار) عن مجمل الدخل القومي المُتاح للاستخدامات النهائية محلياً (الاستهلاك وتكوين رأس المال وتمويل العجز التجاري)، وذلك لأن جزءاً منه يحوّل إلى الخارج من دون الحصول على أي شيء في المقابل، كالنقود التي يرسلها غير المُقيمين لإعالة أسر مُقيمة. وهذه التحويلات تُسمّى التحويلات الجارية، وفي الحالة اللبنانية، تأتي بمعظمها من اللبنانيين المغتربين إلى أسرهم المُقيمة في لبنان، وهي، على مرّ السنوات، أعلى من قيمة التحويلات الجارية التي يرسلها الأجانب العاملون في لبنان إلى أسرهم المُقيمة في بلدانهم.
يُعبّر حساب الدخل القومي الإجمالي المُتاح (GNDI) عن خطوة إضافية على صعيد تحديد الدخل المُتاح، أكثر ممّا يُعبّر عنه الناتج المحلي الإجمالي والدخل القومي الإجمالي. فالدخل القومي الإجمالي المُتاح يساوي، في الاقتصاد الكلّي، قيمة الإنفاق على الاستهلاك النهائي (51.8 مليار دولار) وقيمة الادخار الإجمالي (1.8 مليار دولار). وهذان المكونان يبلغان 104% من مجمل الناتج المحلي، و105.7% من الدخل القومي الإجمالي.
للمزيد من التبسيط، إن الدخل القومي الإجمالي المُتاح يساوي (=) الدخل القومي الإجمالي (50.7 مليار دولار)، زائد (+) التحويلات الجارية الواردة من بقية العالم، ناقص (-) التحويلات الجارية الصادرة إلى بقية العالم. ووفق الحسابات القومية الأخيرة، بلغ صافي التحويلات الجارية نحو 4.4 تريليون ليرة (2.9 مليار دولار) في عام 2016، وبالتالي، قُدّرت قيمة الدخل القومي الإجمالي المُتاح بنحو 80.83 تريليون ليرة لبنانية (53.6 مليار دولار)، وهي تتخطّى قيمة الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2.1 مليار دولار، وقيمة الدخل القومي الإجمالي بنحو 2.9 مليار دولار.
ارتفع صافي التحويلات الجارية الخارجية بنسبة 84% منذ عام 2013، وهذا مؤشّر يستوجب الدراسة العميقة، ولا سيما أنه ترافق مع زيادة كبيرة في عدد سكّان لبنان بسبب تدفّق اللاجئين من سوريا. وسجل صافي التحويلات الخارجية أعلى مستوى في عام 2015 (3.4 مليارات دولار) في الفترة المشمولة (2013 - 2016)، ما يعني أنه تراجع في عام 2016 بنسبة 14.7%، وهذا مؤشّر يستدعي الدراسة أيضاً في ظل الحديث المتزايد عن تراجع التمويل الخارجي المُتاح للاقتصاد اللبناني.
إلا أن الدخل القومي الإجمالي المُتاح واصل نموّه على الرغم من ذلك، إذ ارتفع في عام 2016 بنسبة 1.6% مقارنةً بعام 2015، وهو أعلى بنسبة 12.2% عمّا كان عليه في عام 2013.


الاستخدامات: 101% نسبة الاستهلاك
إن تقييم الناتج المحلي الإجمالي في لبنان، وفق الإنفاق، يُبيّن مفارقات مهمّة في الاقتصاد، إذ تبلغ حصة الاستهلاك (العام والخاص) نسبة 101% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مؤشّر سلبي جدّاً، يُبيّن درجة اعتماد الاقتصاد اللبناني على الاستهلاك، ودرجة اعتماد الاستهلاك على التمويل الخارجي، ولا سيّما من تحويلات المغتربين. وهذه المفارقة تظهر في الحسابات القومية كسمة بنيوية دائمة، إذ لم تنخفض حصة الاستهلاك من الناتج المحلي تحت نسبة 96% في أي سنة من السنوات المغطّاة (2004 - 2016)، وسجلّت نسبة 102% في سنتي 2012 و2014. ويُبيّن الجدول رقم 2 أن حجم الاستهلاك النهائي في عام 2016 أعلى بنسبة 6% ممّا كان عليه في عام 2015، وهو ما يستوجب موازنة تأثيره على نموّ الناتج المحلي الإجمالي، في مواجهة الزيادة الكبيرة في الواردات (+ 10% من حيث الحجم)، والتي تشتمل على نسبة كبيرة من المنتجات المُعدّة للاستهلاك النهائي.

أنقر الصورة للتكبير

وبلغ مجموع الإنفاق الاستهلاكي النهائي للأسر نحو 45.6 مليار دولار في عام 2016، أي نحو 89% من مجمل الناتج المحلي (51.5 مليار دولار)، فيما بلغ مجموع الإنفاق الاستهلاكي النهائي للحكومة نحو 6.3 مليارات دولار، أي 12% من مجمل الناتج المحلي. ومقارنةً بعام 2004، انخفضت حصة الإنفاق الاستهلاكي للحكومة من 14% من مجمل الناتج المحلي، فيما ازدادت حصة استهلاك الأسر من 83%، علماً بأنها بلغت نسبة 90% في عام 2014.
إلى ذلك، بقي تكوين رأس المال الإجمالي متواضعاً على امتداد فترة 2004 - 2016، إذ بلغت حصته من مجمل الناتج المحلي 21%، وسجّلت أعلى مستوى (28%) في عام 2008، وأدنى مستوى (21%) في أعوام 2006 و2015 و2016. وبلغ مجمل تكوين رأس المال نحو 10.7 مليارات دولار، وهو أعلى قليلاً من حيث القيمة من عام 2015 (10.6 مليارات دولار)، لكنه أدنى من أعلى مستوى بلغه (12.8 مليار دولار) في عام 2013.
وتبلغ حصة القطاع الخاص من تكوين رأس المال الثابت الإجمالي نحو 92%، أو 19% من مجمل الناتج المحلي، فيما تبلغ حصة تكوين رأس المال الثابت في القطاع العام 2% فقط. وهذه أيضاً من سمات الاقتصاد اللبناني على امتداد الفترة (2004 - 2016)، حيث يظهر طغيان القطاع الخاص على القطاع العام.
وأيضاً، ارتفع حجم الواردات بنسبة 10% في عام 2016، فيما انخفضت الصادرات بنسبة 4%. ويُبين الجدول رقم 2 أن رصيد صافي الصادرات السلبي لا يزال مرتفعاً جدّاً، ويبلغ -22% من مجمل الناتج المحلي، علماً بأنه تراجع قليلاً من أعلى مستوياته (-29%) في عام 2008. وهذه من السمات المُقلقة أيضاً وأيضاً.
تجدر الإشارة إلى أن عناصر الإنفاق كلها تساهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي، بحيث يُقاس معدل نمو كل مكوّن وفق حصته من مجمل العناصر، وبالتالي تنسحب معدلات نمو هذه المكوّنات على مجمل النمو المحقّق في الناتج المحلي الإجمالي. ووفق الحسابات القومية، جاءت مساهمة كل عنصر من عناصر الانفاق في النمو على النحو الآتي:




هيكلية النشاط الاقتصادي 15% حصة العقارات
يتبيّن من تقييم الناتج المحلي الإجمالي، وفق الاستعمالات أو هيكلية النشاط الاقتصادي، أن حصة الضرائب على المنتجات تراجعت من 14% من الناتج في عام 2004 إلى 9% في عام 2016، على الرغم من أن قيمتها ارتفعت من نحو 3 مليارات دولار إلى 4.7 مليارات دولار. في المقابل، بلغ الدعم الحكومي على المنتجات 1% من الناتج (650 مليون دولار)، وهو بلغ أعلى مستوى في عام 2008 (6%)، أمّا من حيث القيمة، فقد بلغ 2.3 مليار دولار في عام 2013. وبذلك، بلغت القيمة المضافة الإجمالية بسعر الأساس نحو 47.4 مليار دولار في عام 2016، مقارنةً بـ 46.1 مليار دولار في عام 2015، وشكّلت 92% من مجمل الناتج المحلي.


يمثّل القطاع العقاري، بما فيه خدمات المساكن المشغولة من مالكيها والمُستأجرة وغيرها من الأنشطة العقارية، نسبة 15% من الناتج المحلي الإجمالي. وهو يمثّل أكبر مكوّن في الناتج المحلي. تليه تجارة الجملة والتجزئة (12%)، ومن ثم الإدارة العامة (9%)، وكذلك الخدمات المالية (9%)، والتعليم (7%)، والبناء (4%) والصحة (4%)، والخدمات الاحترافية (4%)... وتشكّل هذه الأنشطة الثمانية نحو 64% من مجمل الناتج المحلي، وهي تجسّد بنية الاقتصاد اللبناني، إذ لا تتجاوز حصة الزراعة 2%، والثروة الحيوانية (1%)، فيما تبلغ حصة الصناعة (من دون الكهرباء والمياه وإدارة النفايات والبناء) 9% فقط.
استمرّ قطاع الخدمات المالية على مسار صعودي منذ عام 2005، وبلغت مساهمته نحو 4.5 مليارات دولار في عام 2016. وارتفعت باطراد من 6% في عام 2004 إلى 9% في عام 2016. كذلك، بلغت مساهمة العقارات 7.7 مليارات دولار، ومع إضافة قطاع البناء (2.1 مليار دولار)، تصبح مساهمتهما مجتمعين 9.8 مليارات دولار، أو 19% من مجمل الناتج المحلي. وتبلغ مساهمة قطاع التجارة 6 مليارات دولار، وتشكّل هذه القطاعات الثلاثة 40% من مجمل الناتج المحلي.
ووفق التقسيم المُعتاد، يتوزّع الناتج المحلي الإجمالي على القطاعات الثلاثة الرئيسة، على النحو الآتي:




ملاحظة على جودة البيانات: تقديرات انطباعية أكثر ممّا هي دقيقة!
أدلت إدارة الإحصاء المركزي، على هامش تقريرها عن الحسابات القومية لعام 2016، بملاحظة مهمّة وضرورية، حول دقّة هذه الحسابات ودرجة الثقة بها وأسباب عدم صدورها في التوقيت المناسب:
إن المعايير المُحدّدة لتقييم جودة الإحصاءات هي: الدقة، والترابط، والملاءمة، وسهولة الوصول والوضوح، وقابلية المقارنة، والتوقيت المناسب. كل الإحصاءات مُعرّضة للتشكيك، وبالتالي لا يمكن التقديرات إلا أن تكون تقريبية نسبة إلى قيمتها الفعلية. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على الحسابات الوطنية، إذ لا يوجد مقياس موضوعي للدقة أو هامش الشك. وما دامت الإحصائيات مُستندة إلى مسوحات عينية، يبقى هامش الخطأ غير قابل للاحتساب.
الترابط بين المكوّنات المختلفة هو مطلب أساسي آخر لتقدير الحسابات الوطنية. أمّا الطريقة المثلى لتحقيق الترابط، فهي التوفيق بين الطرق المختلفة لقياس الناتج المحلي الإجمالي، من خلال تحليل العرض والاستخدام. اتباع هذه المنهجية ضعيف في لبنان بسبب غياب بيانات الدخل الموثوقة.
إلا أن المؤشرات التقديرية، التي وضعت في عامي 2004 و2011، أضفت تحسينات في معياري الدقة والترابط. وينطبق ذلك على مؤشّرات عام 2011، إذ من المتعارف عليه أنه كلّما ابتعدت تقديرات الناتج المحلي الإجمالي السنوية من السنة المعيارية، اتسمت بعدم الدقة. وبالتالي، إن التحديث المنتظم لهذه المؤشّرات، كل أربع أو خمس سنوات، يُعدّ أمراً جيداً، لا بل ضرورياً، علماً أنه يعتمد على وجود معلومات عالية الجودة عن نفقات الأسر.
وتجدر الإشارة إلى أن استخدام البيانات ربع السنوية المُجمّعة من عائدات ضريبة القيمة المُضافة، شكّل خطوة تطويرية رئيسية.
ومع ذلك، تبقى التقديرات الجديدة عرضة للتشكيك في شكل كبير، على الرغم من أنها قد تكون أفضل من بلدان عدّة مماثلة. لقد جرى تدوير النسب المئوية للتغير إلى ما هو أقرب من 1%، ولكن على الرغم من ذلك لا يمكن اعتبارها دقيقة. لذلك، يمكن اعتبار التقديرات الواردة في الجداول، وخصوصاً التفصيلية منها، انطباعية أكثر من كونها دقيقة، وهو ما يستوجب الحذر من الإفراط في تحليل هذه الأرقام.
أُجِّل الإصدار الحالي بسبب التأخير في الحصول على البيانات من بعض الإدارات


ويتولّد الشك في شكل جزئي نتيجة عدم وجود مسوحات مُنتظمة مهمّة كأسعار المُنْتجين، وبيانات مفصّلة عن تكاليف الإنتاج، والإنفاق الاستهلاكي، والعمالة، ونفقات الزوّار، والمعاملات التي تجري مع دول العالم، فضلاً عن بروز النشاطات غير المُسجّلة والافتراضات التي تجرى لها.
إلى ذلك، يمكن تقييم معايير الملاءمة وسهولة الوصول والوضوح إلى حدّ ما من تعليقات المُستخدمين التي ستُجمَع بعد نشر التقديرات الجديدة. يتعلّق معيار الملاءمة جزئياً بما إذا كانت التقديرات تلبي احتياجات المستخدمين، إذ تشير استشارة المستخدم التي أجريت في كانون الأول 2010 إلى أن المستخدمين يعلّقون أهمية كبيرة على الحسابات الوطنية ويرغبون في توضيح أكبر لمكوّنات معيّنة فيها، كالنشاط الصناعي على سبيل المثال، إذ إن تحقيقه أمر ممكن نتيجة توافر البيانات، وهناك نحو 30 نوعاً من النشاطات الصناعية المُبيّنة في الجداول تتماشى مع التصنيف الصناعي العالمي الموحّد الجديد (ISIC Rev 4)، الذي يُعبّر بنحو أفضل عن هيكلية الاقتصادات الحديثة، ويحسّن معيار الملاءمة. أيضاً، يتبيّن من خلال استشارة المستخدم في عام 2010، أن المستخدمين طالبوا بمزيد من الشفافية والوضوح في تحديد المصادر والطرق المستخدمة، ما أدّى إلى إعداد ورقة تقنية تحت عنوان «مصادر بيانات الحسابات الوطنية وطرق التجميع» المنشورة على موقع إدارة الإحصاء المركزي لتلبية هذه الحاجة.
هناك مجال كبير لتطوير توقيت التقديرات، لكنه أمر صعب راهناً، لكون إصدار تقديرات الحسابات الوطنية في التوقيت المناسب مرتبطاً بمزوّدي البيانات. بدليل أنّ الإصدار الحالي أُجِّل بسبب التأخير في الحصول على البيانات من بعض الإدارات. وبالتالي لن يكون من السهل تحسين توقيت إصدار التقديرات ما لم يقم مزوّدو البيانات بتقديمها في الوقت المناسب.