الفكرة الوحيدة (أو شبه الوحيدة)، التي طرحت في «المعركة» من أجل محاسبة «الطبقة السياسية الفاسدة» وطردها من «الدولة»، والتي حضرت بقوّة في صياغة محاولات بناء «التحالف العريض» في الانتخابات النيابية الأخيرة. هي الفكرة التي تقول، بسذاجة لا توصف، إنهم (كلّهن يعني كلّهن) «حرامية»، و(نحن) «الأبطال». وعادة، في نهاية قصص كهذه، يُتوقع أن يكون «الناس» مع «التانيين» ويقلبوا الأحداث. وهكذا يتمّ إنجاز مهمة «التغيير» التاريخية، ويتحقّق خير الجميع والصالح العام، فتنبني الدولة على معايير «المواطنة» و«الحكم الرشيد» و«الشفافية» و«النمو المستدام» و«المساواة بين الجنسين»، وتزول «الطائفية» من «النفوس والنصوص»، ويعمّ الازدهار في «بيئة أعمال سهلة» و«مرونة في سوق العمل» و«شراكة بين القطاعين العام والخاص»، وتشتعل المنافسة والمبادرة الفردية والاستثمار والابتكار والريادة والتجارة و«الانتشار».

هذه الفكرة «الكاريكاتورية»، الخاوية من أي معنى محدد، لا تكتفي بتعميم الـ«هم» والـ«نحن»، إلى درجة لا يعود مُمكناً تعيين أي منهم بوضوح، كأنهم أشباح يشكّلون «طبقة سياسية» لا طبقة اجتماعية. بل هي تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، إلى الحدّ الذي يجعل منها بذاتها «فكرة خطرة»، بزعمها أنها لا تنتمي إلى أي فكر أو أيديولوجيا، بل تُعبّر فقط عمّا يجمع «الناس» ويلتقون على رفضه ويتفقون على أنه «سيء» و«شرير». وانطلاقاً من ذلك، تعلن، عن سابق تصوّر وتصميم، أنها تعتمد «تكتيكاً» يقوم على طمس مقصود لحدود الجبهات: الصراع بين من ومن؟ وعلى ماذا؟ من الخصم ومن الحليف ومن الحكم؟ والأهم، من هي القاعدة الاجتماعية «المغامرة»، التي قد تحمل وزر هذه الفكرة «العدمية» وتضعها على جدول الأعمال؟ لا سيما في ظل هذه المرحلة المُتفجّرة وشديدة التعقيد والعنف على كل الصعد المحلية والإقليمية والدولية.
ولكن هذه الفكرة (وتكتيكها) ليست حالة لبنانية خاصة، بل هي البذرة التي غرزتها «النيوليبرالية» عميقاً في إعادة إنتاج مفهومي «الطبقة الوسطى» و«المجتمع المدني» كمحدّدين في ترسيم الصراعات والانقسامات الاجتماعية، وبالتالي هي من بنات الأيديولوجيا المُهيمنة عالمياً، تشترك فيها مؤسسات ضخمة. وهي لا تخصّ «النشاطيين» فقط في منظّمات «المجتمع المدني» وحركاته الاجتماعية وحملاته «على القطعة»، بل تخصّ أيضاً أطيافاً واسعة، مختلفة ومتنوعة، من الليبراليين والديموقراطيين والعلمانيين واليمينيين واليساريين، بما في ذلك الحزب الشيوعي اللبناني الذي يبذل كل جهده كي يظهر في هذه الصورة، يعارض مثلهم «طبقة سياسية» مُبهمة، على الأقل في التعريف الماركسي، ويحارب مثلهم «الفساد» و«حيتان المال» و«الضرائب». بطريقة ما، باتت «كلهن يعني كلهن» فكرة تخصّ (تقريباً) كل النخب «الطليعية» التي أخذت على عاتقها «تثوير» المجتمع ضد «الفساد» والأخذ بيده على طريق الخلاص الوعر.
كونها فكرة «كاريكاتورية»، ساذجة وخطرة، وكونها «نيوليبرالية» بامتياز، يتبرّأ منها الكثيرون ويبرّرون اللجوء إليها أو مسايرتها بالحاجة إلى «فكرة جامعة»، تتعالى فوق الانقسامات والصراعات السياسية والوطنية والقومية والطائفية والطبقية. وهكذا يُقدم «الفساد» كبديل، ولو آنيّ، من أي جواب يتعلّق بهذه الانقسامات والصراعات، على رغم أنها تمثّل المصدر الرئيس لصناعة القلق في المجتمع، وأداة رئيسة لضبط ردود أفعاله.
في الواقع، وبعيداً عن الأسباب الكثيرة والمتداخلة للعجز عن إنتاج برنامج بديل للتغيير في لبنان، تريد هذه الفكرة تجاوز المسائل الثلاث الأكثر إثارة للإشكاليات في لبنان: الطائفية والطبقية والإقليمية. فبعد تمادي الطائفية في طمس الطبقية، وفي ظل تماديها في طمس جوهر الصراعات الجارية على صعيد إقليمي، في داخل المجتمعات وبين الدول، تأتي «كلن يعني كلن» لتفترض أنها تستطيع أن تطمس الثلاثة معاً، ثلاثة بواحد، بجمع «الناس» على محاربة الفساد، وبالتالي إدراج «الطائفية» و«الطبقية» في الماضي، وطرد «تجّار الهيكل» الذين يبيعون ولاءاتهم في الأسواق الخارجية ويرهنون لبنان للمصالح الأجنبية.
يوجد طرق كثيرة لإثبات أن «الفساد» هو نتيجة أكثر مما هو سبب، بل يمكن أيضاً إثبات أنه مجرّد عارض لمرض لا المرض، ويمكن أيضاً وأيضاً إثبات أن الفساد في لبنان يشكّل منظومة متكاملة وشاملة لإدارة الدولة والمجتمع والاقتصاد وإعادة توزيع الدخل والثروة، وبالتالي هو ليس مجرّد عمل لصوصي يتولاه «الزعيم» ويرعاه. فالزعامة في لبنان، على عكس فكرة إطاحتها، ليس «كاريكاتورية» بل تقوم على بناء مؤسسي واسع وعميق، يلعب دور الوسيط مع الدولة أكثر بكثير من دوره كحاكم، ويضمّ أحزاباً وتنظيمات ومنظّمات وشركات ورساميل وعلاقات، ويُهيمن على أراض، يقيم عليها الناس ويعتاشون وينظّمون أمورهم. ما يجدر التركيز عليه في هذا السياق، أن ما يُسمّى «الطبقة السياسية الفاسدة» ليست إلا «نظام الحرب» نفسه الذي بقي راسخاً ومتيناً، على رغم ما طرأ عليه منذ اتفاق الطائف حتى اليوم. ويمكن المحاججة أن «الريع» و«الامتيازات» و«الحقوق الحصرية»، أو ما يُسميّه الليبراليون «رأسمالية الأصحاب والمحاسيب»، وهي الشكل الأوضع لما يُطلق عليه صفة فساد «الطبقة السياسية»، ليست إلا «الرأسمالية» نفسها والطريقة التي تعمل بها لتثبيت «الاستقرار»، كـ«الديموقراطية التوافقية» في لبنان التي تقوم بين المجموعات القادرة على استخدام العنف أو التهديد باستخدامه.
«الناس» ليسوا جهلة أو خطأة، وهم حتماً يكرهون «الفساد» و«الريع»، ولكن البديل التي تقدّمه فكرة «كلن يعني كلن» هو مجتمع غارق في الفوضى والعنف والانهيار. فمثل هذه المهمّات «التغييرية» لا يمكن أن تكون محكومة بـ«مرض طفولي» جديد، يلقي الحُرم على الكثيرين، بل هي تحديداً من النوع «الجذري»، الذي يعلن مآربه الصريحة في إعادة هندسة المجتمع اللبناني واقتصاده ونطاقه ومصالحه الإقليمية.
عندما يوضع «ضمير المتكلم» (نحن) في مواجهة «ضمير الغائب» (هم)، نكون أمام معضلة جدّية، لا مجرّد التباس، تُقصي «الناس» وتعزل «الاعتراض». هل يجب التذكير دائماً أنه من أصل مليون و800 ألف مقترع في الانتخابات النيابية، لم يقترع سوى 70 ألفاً للوائح التي انبثقت من هذه الفكرة، في حين اختار 15 ألفاً فقط الاقتراع بورقة بيضاء.