تنافس الصناعة بواسطة النوعية، وتعجز عن المنافسة في الداخل والخارج، عندما تُفرض عليها أكلاف تفوق مثيلاتها في دول منافِسة لها، ولم تتم حمايتها لمساواة الكلفة والتفوّق فقط بالنوعية. إن الأكلاف الأساسية للصناعة: المواد الأولية والطاقة، الاتصالات والمواصلات، مواد التغليف، الترويج الإعلاني، المعارض، والأجور والضمان وتعويضات النقل والتعليم، وأيضاً كلفة الاقتراض المصرفي... كلّها عوامل تساعد على المنافسة أو تقوّضها. إلا أن الصناعة في لبنان ترزح تحت ثقل كل هذه الأكلاف مُجتمعة، وتضمحل قدراتها التنافسية بوتيرة سريعة، وهذا له أسباب كثيرة، في مقدّمها سياسة مصرف لبنان التي وضعت الاقتصاد والناس والقطاعات والإنتاج في خدمة الليرة، بدل أن تضع الليرة في خدمة الاقتصاد والناس.

أنجل بوليغان المكسيك

عموماً، تسعى الدول جاهدة لاستخراج مواردها الطبيعية إذا وُجدت، وتوفيرها أولاً لصناعاتها بأدنى الأثمان، من أجل حفز قدرتها على المنافسة الداخلية للسلع المستوردة، والمنافسة الخارجية للسلع المعروضة في الأسواق العالمية. وتخفّض الدول الضرائب والرسوم على الطاقة للصناعة من أجل خفض كلفتها. وتعتني بشبكات الاتصالات والمواصلات التي تعتبرها عنصراً أساسياً في المنافسة. وتساعد على الترويج الخارجي، وتوقّع على اتفاقات تجارية مع دول الخارج لفتح الأسواق أمام صناعاتها، وتحدّد حدّاً أدنى للأجر يتناسب مع كلفة المعيشة. وتسهر على توافر القروض المصرفية اللازمة وبالكلفة المناسبة. وتساوي بين أكلاف صناعاتها وأكلاف صناعات الدول المنافسة، لكي تكون الغلبة فقط للنوعية، بواسطة رسوم على الاستيراد من دون أن يتعارض ذلك مع تطلّبات منظّمة التجارة العالمية. كذلك، تهتمّ الدولة بخفض الأكلاف غير المباشرة للصناعة، فعندما ترتّب وتجهّز مناطق صناعية وتؤمّن فيها خدمات مُشتركة لجملة الصناعات التي ستنشأ داخلها، تحدّ من تلك الأكلاف وتعزّز القدرات على المنافسة.
هل هذا هو الأداء الصناعي للدولة اللبنانية؟ أم عكسه كلياً؟ الجواب بديهي ومباشر، ألف لا ولا.

الفرق بين الاستقرار النقدي وتثبيت سعر الصرف
للمصرف المركزي وحده صلاحية إدارة النقد والمورد المالي في البلاد. مهمّته الأساسية، توفير السيولة الضرورية للاستثمارات الخاصة والعامّة والاستهلاك الخاص، وبالكلفة المُحفّزة على المبادرة، من أجل حفز النمو الاقتصادي الحقيقي ومحاربة البطالة والتضخّم، وضمان استقرار سعر صرف العملة المحلية إزاء أهم العملات العالمية. وهنا، لا بد من التمييز بين الاستقرار النقدي المطلوب والتثبيت النقدي المعتمد، فالاستقرار النقدي ينتج من تفاعل قوى السوق النقدية في نظام اقتصاد السوق: عرض النقد من قبل النظام المصرفي، نقد ورقي من قبل المصرف المركزي ونقد دفتري من قبل المصارف التجارية كلما أعطت قروضاً لمستحقّيها، والطلب عليه من قبل الشركات عندما تنشد الاستثمار ومن الأفراد عندما يريدون الاستهلاك. كما أن الاستقرار النقدي ينتج أيضاً من تفاعل قوى سوق القطع، أي الطلب على العملة الأجنبية وعرضها مع هوامش تقلّب واسعة لسعر الصرف، تخفّف من تدخّلات المركزي في السوق، وتحافظ على احتياطه من العملة الصعبة.
والسوق الحرّة للنقد تحدّد سعراً حقيقياً للعملة المحلية، أي نسبة الفائدة، والسوق الحرّة للقطع تحدّد أيضاً سعراً واقعياً للعملة المحلية إزاء أهم العملات العالمية، أي السعر الحقيقي للصرف. ويراقب البنك المركزي عمل هاتين السوقين، ويسهر على إنتاج فوائد مناسبة للاقتصاد وسعر صرف مرن يسمح للاقتصاد أن يصحّح نتائجه السلبية تلقائياً ويحافظ تالياً على قدرته التنافسية.

100مليار دولار

من مجمل الودائع في المصارف اللبنانية يعطّلها المصرف المركزي في صناديقه فيراكم الدين العام ويتسبّب بارتفاع الفوائد ويعطّل الاستثمار وفرص العمل، ويعاقب المستثمر والعامل ويكافئ صاحب المال والمصرف، ويعرّض سلامة الودائع نفسها للخطر


أما التثبيت النقدي، فيُلغي عملياً عمل سوق النقد وسوق القطع، لأنه يُحدّد مركزياً ثمن النقد أو نسبة الفائدة وسعر الصرف، ما يخالف الدستور، الذي ينصّ صراحة على أن النظام الاقتصادي للبلاد ليبرالي يرتكز على عمل الأسواق بحرية مضبوطة.
ألغى مصرف لبنان سوقي النقد والقطع منذ عام 1993، عندما شرع بتقوية الليرة تجاه الدولار من 1800 ليرة للدولار إلى 1500 ليرة، ومن ثم تثبيت سعرها إزاء الدولار الأميركي خلال 25 سنة متتالية، غير آبه بنتائج الاقتصاد ونموه وصادراته ودرجة البطالة فيه. هذا النهج، وتلك المستويات غير المسبوقة للفوائد، خصوصاً في التسعينيات من القرن الماضي، في مرحلة إعادة الإعمار في لبنان والاقتراض الرسمي الكثيف، تسبّبا بعجز متنام في الموازنات العامة، وتراكم الديون على الخزينة، وتعطيل الاستثمار والاستهلاك والنمو وفرص العمل وتهجير شباب لبنان. لكن تلك السياسة أفادت بالطبع كل من أقرض الخزينة أو أودع بالليرة في المصارف، أي أصحاب الرساميل التي تضاعفت تلقائياً بفعل احتساب تراكمي للفوائد من دون أي جهد أو عناء، ما جعلنا نُطلق على اقتصادنا صفة اقتصاد الريع المُناهض للإنتاج والتقدّم. ويستمرّ المصرف المركزي بتطبيق الأسلوب نفسه راهناً، فضلاً عن شروعه بتعطيل كميات هائلة من ودائع المصارف في صناديقه (نحو 100 مليار دولار من أصل 175 مليار دولار تمثّل مجموع الودائع المصرفية: منها 27 مليار دولار احتياط إلزامي بأعلى نسب في العالم تبلغ 25% على الودائع بالليرة و15% على الودائع بالدولار، و30 مليار دولار اكتتابات بسندات دين رسمية، و43 مليار دولار فائض احتياط يدفع عليه المصرف المركزي فوائد للمصارف، كما يدفعها على أموال الاكتتابات).
أما العمليات المُفاجئة والمُستغربة للمصرف المركزي فكثيرة، تسعى كلّها إلى زيادة احتياطاته الاستراتيجية بالدولار دعماً للسعر الثابت لليرة، وتلبيته للحاجات التمويلية لخزينة الهدر والثقوب. ففي عام 2016، طلب 13 مليار دولار من المصارف بطريقة الاكتتاب بسندات يوروبندز وبفوائد مُجزية في مقابل عرض كمّيات كبيرة من الليرات لدفع سندات خزينة بالليرة محمولة من المصارف قبل استحقاقها بسنوات عدّة. وقد دفع المصرف المركزي أساس الدين بالليرة وكل الفوائد المُستحقّة والتي سوف تُستحق خلال المدة الكاملة لتلك السندات. وهكذا طلب المركزي الدولار بقوة وعرض الليرة بقوة، وادّعى باستمرارها ثابتة تجاه الدولار، بينما واقع الحال يفرض حُكماً تراجعاً بسعر صرفها. وقد حقّقت المصارف من هذا «الإنجاز الاستراتيجي» للمصرف المركزي أرباحاً صافية وصلت إلى نحو 5.5 مليار دولار. كما سعى المصرف المركزي إلى جذب ودائع بالدولار، فسمح لبعض المصارف المُختارة دفع 9% فائدة على الودائع بالدولار، التي تفوق سقفاً معيناً، على أن يتم التعويض عليها بإقراضها دفترياً أموالاً بفوائد مُتدنية يكتتب بها مباشرة بشهادات إيداع بفوائد مرتفعة، وهكذا عوّض المصرف المركزي تلك المصارف مرّتين: أرباح شهادات الإيداع، وفوائد إقراض الودائع الجديدة التي تدفع المصارف عليها فائدة دائنة بمعدّل 9%. وأبدل أيضاً سندات دين بالليرة يحملها البنك المركزي على الخزينة بسندات يوروبندز، لتعزيز احتياطاته بالدولار وإغراق الخزينة في الوقت نفسه بديون إضافية بالعملة الصعبة التي ترفع حصة الدين الخارجي الرسمي في الدين العام. وقد فاقت قيمة تلك السندات 5 مليارات دولار. ثم أراد أن يتخلّص من سندات اليوروبندز، فعرضها في الأسواق الخارجية وفشل في تسويقها بسبب عاملي الثقة والفوائد على السندات الأميركية، فعرضها على المصارف التي اكتتبت بجزء منها وأبدلت الجزء الآخر بشهادات إيداع تحملها لصالح المصرف المركزي. وهكذا يكون المصرف المركزي قد برهن أنه لا يثق بملاءة الخزينة، فحمّل ديونها الصعبة للمصارف، مُعرّضاً سلامة الودائع لمزيد من المخاطر، وحمل شهادات إيداع مصدرها أموال الناس، بينما اليوروبندز مصدر أموالها الخزينة المُتهاوية. فهل ما يقوم به المصرف المركزي يتوافق مع دوره الطبيعي؟ لا وألف لا... كيف إذا عطّل بسياسته الاستثمار في لبنان عموماً، والاستثمار الصناعي خصوصاً؟

الصمود الصناعي المستحيل في نموذج نقدي معادٍ
إن أي مشروع صناعي يخضع لدراسة جدوى تمتدّ حتى 10 سنوات، وتخلُص إلى تحديد نسبة متوقّعة للربح، لكن كلّما ارتفعت نسبة الفوائد المدينة، كلما أضحت القيمة الحاضرة للمداخيل المستقبلية أقل، وربما تصبح أدنى من القيمة الأساسية للاستثمار، فيُقلع المستثمر عن المبادرة، وهي غالباً ما كانت وما تزال عليه حال الاستثمار في لبنان في القطاعات المُنتجة للسلع والخدمات، وعلى الرغم من بعض الفوائد المدعومة التي أفادت منها بعض الصناعات، كما القطاع العقاري، وبرنامج «كفالات»، فإن غالبية الصناعيين وقعت ضحية ارتفاع الفوائد التي التهمت الأرباح وأوقعتها في الخسارة وأقفلت المصانع.

ألغى مصرف لبنان سوقيْ النقد والقطع منذ عام 1993 عندما شرع بتقوية الليرة تجاه الدولار من 1800 ليرة للدولار إلى 1500 ليرة


أما الحماية من أجل مساواة الأكلاف مع الدول المنافسة، فقد أُزيلت عملياً منذ عام 2000، عندما خُفّضت الجمارك دراماتيكياً إلى متوسط 5%، مُعرّضة الصناعة لمنافسة قاتلة خصوصاً مع الصين، ما تسبّب بقفل أعداد كبيرة من الصناعات وتسريح آلاف العمّال.
عمل الصناعيون ما بوسعهم من أجل المحافظة على شركاتهم، تعلّموا وطبقّوا الطرق الحديثة للإدارة، وأتقنوا فنون إنتاجهم، ورفعوا درجة نوعيته، وناضلوا من أجل البقاء والاستمرار، لكن الهواء المعاكس الآتي من الدولة عصف بهم وأذاهم، حتى أنه خرّب مؤسّساتهم، فلا كهرباء ولا ماء ولا اتصالات ولا مواصلات ولا إعفاءات ولا مساعدات ولا قروض أفقيّة موسّعة وميسّرة للجميع، بل عامودية وانتقائية، ولا مناطق صناعية مجهّزة، ولا مساعدة على خفض الأكلاف، ولا مساهمة في فتح الأسواق والترويج للإنتاج، ولا بحث علمياً مسانداً ومواكباً للإنتاج وتطويره، ولا حماية تساوي بين الأكلاف، ولا الإسراع في الإفادة من مواردنا الطبيعية والنفطية.
فكيف والحال بهذا السوء تستطيع الصناعة الصمود طويلاً؟ صمدت الصناعة ما استطاعت ثم انهارت وأقفلت وقلّصت حجم القطاع في الناتج المحلي. فها هي الصادرات تتهاوى، كما حصة الصناعة في الدخل الوطني. والأهمّ، أن الصناعة تطلب عملاً وفيراً، فعندما تختفي، تتفاقم البطالة ومعها الهجرة الاقتصادية القسرية لمواردنا الشابة. إن صون الموردين المالي والبشري يعطي دفعاً كبيراً للتقدّم الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والإنماء المتوازن. لبنان ينعم بهما: مورد مالي وفير ومورد بشري غنيّ بالعلم والمعرفة، لكن الدولة تفرّط بهما وتسيء إدارتهما، إنجاز آخر لهذه الدولة ومصرفها المركزي ونهج أهل السلطة فيها.
إن ما ينتهجه المصرف المركزي من أساليب لإدارة النقد في البلاد قد تمّ التخلي عنه أميركياً في عام 1971 من القرن الماضي، بعد سقوط اتفاقات «بريتون وردز» وسقوط تثبيت الدولار إزاء الذهب. فقد جعل اعتماد الولايات المتحدة النظام المرن للقطع (أو العائم) من الاقتصاد هدفاً لا النقد بذاته. فالدولار منذ ذلك التاريخ أصبح بالنسبة إليهم كالمرآة تعكس حال الاقتصاد، فإذا تحسّنت النتائج الاقتصادية من نمو وصادرات وميزان تجاري وميزان مدفوعات وتضخّم وبطالة وعجز مالي، قويَ الدولار تجاه بقية العملات، وإلا تراجع سعره من أجل أن يسمح للاقتصاد بأن يصحّح نتائجه، خصوصاً بواسطة زيادة صادراته.

برهن المصرف المركزي أنه لا يثق بملاءة الخزينة العامة فحمّل ديونها الصعبة للمصارف مُعرّضاً سلامة الودائع لمزيد من المخاطر


كذلك تم التخلي عن نهج البنك المركزي أوروبياً في عام 1991، عندما تخلّى الأوروبيون عن نظام الحيّة النقدية الذي سعى إلى تضييق هوامش تقلّب العملات الأوروبية وفشل، فقرّر عندئذ الأوروبيون اعتماد النظام المرن للقطع، وتعاملوا مع النقد واستقراره بواسطة تقوية الاقتصاد وتنويعه وإغنائه بالمعارف والخبرات والاستثمارات والأبحاث والتطوّر. أما مصرفنا المركزي، فقد تعامل مع الليرة بمعزل عن الاقتصاد، ووضع الاقتصاد والناس والقطاعات والإنتاج في خدمتها بدل أن يضعها في خدمة الاقتصاد والناس. فعزّزها مُهملاً الاقتصاد، وفشل في خلق الثقة بها في نفوس المتعاملين، فالنسبة العالية للدولرة في المصارف نحو 70%، أكبر وأفضل دليل على انعدام تلك الثقة. فالثقة الحقيقية لا تُبنى على تعزيز مُصطنع لعملة، بل على انعكاس قوة الاقتصاد إيجاباً عليها، وعلى الثقة بها وطلبها.
إن المصرف المركزي يعطّل في صناديقه نحو 100 مليار دولار من الودائع، أي من المورد المالي للبلاد، ويبالغ في تحديد الاحتياطين الإلزامي وفائض الاحتياط، ويورّط الخزينة بديون إضافية بالدولار، ويتسبّب بارتفاع الفوائد، ويعطّل الاستثمار وفرص العمل، ويعاقب المستثمر والعامل ويكافئ صاحب المال والمصرف، ويعرّض سلامة ودائع الناس للخطر، ويحدُّ من حجم الاقتصاد ومتانته، ويساهم في مراكمة الدين العام.
مع حجم دين رسمي صار يشكّل ضعف حجم الاقتصاد، يستمرّ المصرف المركزي في نهجه رافعاً شعار صون القدرة الشرائية للأجر الفردي وللدخل الأسري. ربما صحيح ذلك إذا حافظ العامل والموظّف على وظيفته، أما إذا أقفلت شركته بسبب ذلك النهج، فماذا تنفع القدرة على الشراء على أجر غير موجود ودخل يتهاوى.
عندما نطالب بإعادة السياسة النقدية إلى القواعد والأصول، لا نريد بالطبع إفقار الناس بل توفير لهم حياة رخاء وبحبوحة، لذلك، فالإفادة القصوى من مواردنا الطبيعية والمالية والبشرية كافة أكثر من لازمة، بينما أهل السلطة منذ أوائل التسعينيات منعوا المورد المالي عنا، وهجّروا شبابنا، ولوّثوا بيئتنا الجوية والأرضية والمائية والبحرية.
أهل السلطة يجهلون التكلّم بلغة العصر: لغة الإنتاج والمنافسة والتكنولوجيا والبيئة والصحّة والتربية وفرص العمل وترتيب الأراضي، لغتهم الحصص ومعارضتهم من أجل الحصص، ومؤتمراتهم الدولية للمحاصصة، والبلاد شركة مُساهمة، ولا يوفرّون لنا فيها حتى أبسط شروط الحياة والعمل.
عادوا بالوعود الإصلاحية نفسها، وكأنهم نَفّذوّا ولو بعضاً منها في الماضي، بئس هكذا محاسبة وهكذا قانون انتخاب.
* أستاذ جامعي- صناعي