ماذا يعني تراجع نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي؟

في أي مجتمع رأسمالي، ينقسم السكان إلى ثلاث فئات رئيسة، الذين يعيشون من أجورهم أو من أرباحهم أو من ريوعهم. طبعاً، تتشعّب ضمن هذه الفئات مراتب وشرائح كثيرة، تتداخل وتتفاعل وتتصارع وتفرض السياسات وتُعيّن السلطات، وتشبك العلاقات في الداخل ومع الخارج. وفي الحصيلة، تُسمّى هذه العملية المُعقّدة والواسعة «الاقتصاد»، وهي تنتج دخلاً سنوياً، يجرى توزيعه على السكّان، وفق حصة كلّ فئة منهم وموقعها.


في المبدأ، يُفترض أن يكون هذا الدخل المُحقّق كافياً، أولاً، لإعالة جميع السكّان، وكافياً أيضاً للاستثمار في رفاهيتهم وحمايتهم. وبالتالي، يرى أتباع الاقتصاد الشائع أنه من البديهي اعتبار متوسط نصيب الفرد من الدخل مؤشّراً على الرفاهية أو عدمها، فإذا ارتفع، هذا معناه أن مستوى الرفاهية ارتفع أيضاً وبات مستوى المعيشة أفضل، والعكس صحيح.
يعتبر البنك الدولي أن المقياس الأكثر تحديداً للتنمية الاقتصادية، هو الذي يقيس نصيب الفرد من «الدخل القومي الإجمالي» (GNI). فهذا المقياس، برأيه، يُعبّر عن قيمة الدخل الفعلي الذي حقّقه جميع المنتجين في البلد، بعد حسم صافي الدخل الأولي الذي حصل عليه غير المقيمين من الاقتصاد المحلي (كتعويضات الموظفين والدخل العقاري والفوائد وعائدات الأسهم والملكيات الأخرى). انطلاقاً من هذا المقياس، عمد البنك الدولي طيلة 50 عاماً إلى تصنيف البلدان وفق مستويات الدخل تبعاً لتقديرين فقط: تعداد السكّان ونصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي. ووفق آخر تصنيف، توزّعت بلدان العالم على 4 مجموعات، على الشكل التالي:
مجموعة البلدان المنخفضة الدخل، التي يقلّ فيها نصيب الفرد عن 1005 دولارات سنوياً. وتضمّ هذه المجموعة 31 دولة.
مجموعة الشريحة الدنيا من البلدان المتوسطة الدخل، التي يتراوح نصيب الفرد فيها بين 1006 دولارات و3955 دولاراً، وتضمّ هذه الشريحة 53 دولة.
مجموعة الشريحة العليا من البلدان المتوسطة الدخل، التي يتراوح نصيب الفرد فيها بين 3956 دولاراً و12235 دولاراً، وتضمّ 56 دولة، من بينها لبنان.
مجموعة البلدان المرتفعة الدخل، التي يفوق فيها نصيب الفرد 12236 دولاراً، وتضمّ 78 دولة.
منذ عام 2010، يتّجه نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي في لبنان نزولاً، وهو تراجع من 8756 دولاراً في عام 2013 إلى 8441 دولاراً في عام 2016، وخسر نحو 315 دولاراً من قيمته في أربع سنوات فقط. يدلُّ ذلك بوضوح إلى ضعف عوامل الإنتاج المحلية وعجزها عن استيعاب الزيادة السكّانية والتغييرات الخارجية شديدة التأثير في الاقتصاد اللبناني.
تمّ احتساب نصيب الفرد بالاستناد إلى تقديرات البنك الدولي لتطوّر عدد السكّان، الذي ارتفع من 4.3 مليون نسمة في عام 2010 إلى 6 ملايين نسمة في عام 2016، نتيجة تدفّق اللاجئين السوريين إلى لبنان. في حين تم الاستناد إلى تقديرات إدارة الإحصاء المركزي للدخل القومي الإجمالي، الذي ارتفع 9.7% بين عامي 2013 و2016. (ماذا تخبرنا الحسابات القومية لعام 2016؟ - ص. 4)
تتزايد الدراسات التي تؤكّد حدّة اللامساواة في توزيع الدخل في لبنان، إذ إن 10% من السكّان يستحوذون على 55% من الدخل الوطني، و1% منهم فقط يستحوذون على 25% منه (ليديا أسود - إعادة النظر في الأعجوبة الاقتصاديّة اللبنانيّة: التركّز الشديد للدخل والثروة في لبنان بين عامي 2005 و2014). في حال إسقاط هذه التقديرات على حسابات الدخل القومي الإجمالي، فإن 600 ألف فرد في لبنان (10%) يستحوذون على 27.9 مليار دولار (55%)، أي إن نصيب الفرد منهم بلغ 46475 دولاراً. في المقابل، بلغت حصّة 5.4 مليون فرد (90%) نحو 22.8 مليار دولار (45%)، أي إن نصيب الفرد منهم بلغ 4225 دولاراً، وفي حال النزول أكثر على السلمّ الاجتماعي، يتبيّن أن نصيب نصف الأفراد في لبنان لا يزيد عن 10.6% من الدخل، ما يعني أن 3 ملايين فرد لا يتجاوز نصيبهم 5.4 مليار دولار، أو 1800 دولار سنوياً لكلّ فرد منهم. في حين أن 60 ألف فرد فقط يحصلون على 11.9 مليار دولار، ويبلغ نصيب الفرد منهم 198 ألف دولار سنوياً.
هذه الأمثلة، تُبيّن أن نصف سكّان لبنان يعيشون على حدود البلدان المنخفضة الدخل، فيما أقلية تستحوذ على النصيب الأكبر من الدخل وتحظى بالرفاهية، وفق تصنيف البنك الدولي نفسه، وهذا المؤشّر، أي تراجع نصيب الفرد الدخل، لا يعني سوى تعميق الهوّة بينهما، إذ المُرجّح دائماً أن أصحاب الدخل الأعلى يمتلكون القدرة على حماية حصّتهم، بل وزيادتها باطراد، في حين أن أصحاب الدخل الأدنى سيواصلون خسارة حصّتهم الضئيلة بالأصل.
للتواصل: [email protected]