هناك عوامل وأسباب كثيرة منعت «الطبقة الحاكمة»، حتى الآن، من اللجوء إلى آليات «السوق» الشائعة لتخفيف ضغوط الدين العام ولا سيّما، الآليات المعروفة باسم «قصّ الشعر» أو «Haircut». وفي مقدّمة هذه العوامل والأسباب عمق الترابط والرسوخ والهيمنة، الذي بلغته المصالح المالية والعقارية والتجارية في العقدين الماضيين، والتي حُفِرَت في «نظام الحرب» نفسه، حيث وجد رأس المال، فرصته الكبرى للاستئثار بأكبر حصة مُمكنة من الدخل وتركيز المزيد من الثروة لدى الفئة الضئيلة جداً، التي كانت جاهزة وقادرة على تمويل عملية «تقاسم الريع» وتوزيع «الامتيازات» بينها وبين المجموعات القادرة على التهديد باستخدام العنف.

هذا «النموذج» من الاقتصاد السياسي، الذي ينطوي أيضاً على تحويل جزء، ولو بسيطاً، من «الريع» من أجل تحييد بعض الشرائح الاجتماعية وضبطها من قبل مُمثليها، سمح بنشوء الوضع الآتي: يوجد على دفاتر المصارف اللبنانية مطلوبات بقيمة 173 مليار دولار، وفق إحصاءات نهاية عام 2017. تمثّل هذه المطلوبات ديوناً على المصارف لمصلحة المودعين، وبالتالي يجب عليها تسديد الفوائد، وهي بهذا المعنى، تمثّل ديناً على الاقتصاد المحلّي، يرتب كلفة على الجميع من خلال أثر سعر الفائدة المباشر وغير المباشر، ولا سيّما لجهة رفع كلفة التمويل وبنية الأسعار وزيادة اللامساواة في توزيع الدخل القومي. أدّى ذلك إلى ضمور الاقتصاد الحقيقي، وازداد الارتهان لزيادة نموّ الودائع لدى المصارف كقناة رئيسة لتمويل الاستهلاك والعجز التجاري، وكذلك الارتهان لنمو التحويلات الخارجية، إذ بات الاقتصاد اللبناني يحتاج سنوياً إلى ما يعادل 20% من مجمل الناتج المحلي لتسكير حساباته السنوية مع الخارج، أو ما يُسمّى الحساب الجاري، وبالاستناد إلى التقديرات الحالية يحتاج المقيمون في لبنان إلى 11 مليار دولار سنوياً لتغطية عجز التبادلات الصافية بينهم وبين غير المُقيمين، بما في ذلك تبادلات السلع والخدمات والدخل والرساميل والقروض والتحويلات... إلخ.
ماذا يحصل عادة عندما يصبح نمو الودائع هدفاً، أو شرطاً، لنمو الاقتصاد وحفظ الاستقرار السياسي والاجتماعي؟ ما يحصل، باختصار، أننا نصبح جميعنا رهائن لدى المصارف، مجبرين على خدمة أرباح مساهميها وكبار مودعيها. ففي ظل اختلال ميزان القوى الاجتماعية في غير مصلحة الأسر الأدنى دخلاً، وغياب أي مشروع سياسي لتغيير «النموذج الاقتصادي» القائم، سيكون من العبث التفكير بالخروج من هذه الورطة عبر الأفكار الساذجة المُتعلّقة بمكافحة الفساد والشراكة مع القطاع الخاص. فوفق ما بيّنته الحسابات القومية لعام 2016، يبلغ الاستهلاك (الأسر والحكومة) أكثر من 101% من مجمل الناتج المحلي، أي أكثر مما ينتجه جميع المُقيمين في لبنان. وبالتالي، إن هذا العجز بالإضافة إلى الاستثمار وتكوين رأس المال، يجري تمويله بالدين، أي بزيادة مطلوبات المصارف نفسها. ولأن هذا «النموذج» يُضعف الإنتاج لمصلحة الاستيراد ويرفع أسعار العقارات وكلفة تمويل الاستثمارات، تُضطر الدولة (الحكومة ومصرف لبنان) إلى امتصاص أكثر من 138 مليار دولار حالياً من مطلوبات المصارف وتسجيلها كديون عليها، واستخدام سعر الفائدة المُرتفع لخدمة جذب المزيد من الودائع إلى المصارف وتراكمها وتعظيم أرباحها، فيما اضطرت الأسر إلى زيادة مديونيتها إلى 21 مليار دولار، أي نصف دخلها المُتاح للاستهلاك، لتمويل سكنها واستهلاكها، ما أدّى إلى تضخّم القروض المصرفية المرهونة بالعقارات والأبنية، وباتت تشكّل نحو 90% من مجمل القروض المصرفية للقطاع الخاص (القروض العقارية والسكنية بمقدار النصف والقروض الممنوحة في مقابل ضمانات عقارية النصف الآخر). نحن الآن عالقون في هذا الفخ: مواصلة هذا النموذج لتمويل الاستهلاك تستدعي مواصلة زيادة الودائع، وبالتالي زيادة المديونية العامة ومديونية الأسر، ومواصلة دعم التجارة وأسعار العقارات وتسخير الإيرادات العامة وحصّة كبيرة من الدخل في خدمة الفوائد التي تُمنح لكبار المودعين وتزيد ثروات كبار المساهمين في المصارف... وهذا الشرط الرئيس لضمان سلامة القطاع المالي وتحصينه من الانهيار، وبالتالي شرطاً لعدم انهيار سعر الصرف، وهو ما يجري تخويف المُقيمين به كل الوقت، وهو أمر مخيف بجدّ.
المفارقة، التي تشبه ألعاب الخفّة أو السحر، تكمن في أن هذا النموذج قادر على خداع قسم كبير من الخاسرين لوقت طويل، فمعظم الناس يختلط عليهم الأمر، فمن ناحية يشاهدون الودائع لدى المصارف ترتفع باطراد، وأصبحت تشكّل 3.5 مرات أكبر من حجم الدخل السنوي للاقتصاد اللبناني، فيتعاملون مع هذا المؤشر كتعبير عن ازدياد الثروة عموماً، أو كمؤشر إيجابي. ومن ناحية أخرى، يشاهدون المديونية العامة والخاصة ترتفع بوتيرة سريعة وتستنزف دخلهم وتؤدي إلى زيادة التفاوتات وتراجع الخدمات العامة والبنية التحتية. ولكنهم لا يربطون بين الأمرين: فارتفاع المديونية وعبئها ليس إلا الوجه الآخر لارتفاع الودائع من دون سقف. لا يوجد نتيجة أخرى لأي نموذج يموّل جزءاً مهماً من الاستهلاك من خلال زيادة الودائع وليس زيادة الإنتاج. فالدين العام والخاص يؤدي دوره الحاسم في إعادة التوزيع نحو الذين يمتلكون المال لإقراض الدولة والأسر، أي أولئك الذين كان يجب عليهم دفع الضرائب، لو أن المُقيمين في لبنان اختاروا نموذجاً لاقتصاد مُنتج، يوطّد السلم الأهلي بعد الحرب، ويقوم على شيء من عدالة توزيع أكلاف إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي.
اليوم، كما كان قبل ربع قرن، تضع «الطبقة الحاكمة» مصالحها فوق كل اعتبار، وهي، على الرغم من إعلانها بلسان حكومتها، أن مستوى الدين العام يثير القلق، إلا أنها جدّدت التزامها بعدم اللجوء إلى أي خيار لخفض أصل الدين القائم والفوائد المُترتبة على الدين القديم والدين الجديد، وتقدّم ذلك كإنجاز مدوّن في سجّلها التاريخي الطويل، بل وتقدّمه كدليل «طهارة» من «العار» الذي يلطّخ دول أخرى كثيرة، سبق أن لجأت إلى التوقف عن تسديد الدين أو قصّت أجزاء منه أو خفضت كلفته أو أعادت هيكلته وجدولته أو قصّت من الودائع نفسها، وفرضت على المصارف تقليص أحجامها.
للأسف، من دون برنامج يمتلك قاعدة اجتماعية عريضة، يفضي إلى تعديلات بنيوية في الاقتصاد والمجتمع والنظام السياسي، ويؤدي إلى فرض تسوية تاريخية مع الدائنين لقصّ الأجزاء الخطيرة من الدين العام والتخلّص منها. تضعنا «الطبقة الحاكمة» مجدّداً في مواجهة الحقيقة التي يعبّر عنها المثل: «من بعد حماري ما ينبت حشيش».