جدّدت الحكومة اللبنانية، في مؤتمر «باريس 4»، التزامها الثابت بسداد ديونها وفوائدها مهما كانت الظروف ومهما بلغت الكلفة. وأعلنت بلهجة حازمة وجازمة أن الدائنين سيظلون تحت الحماية ضد أي عملية لـ«قص شعر»، ما يعني ببساطة أنهم سيحصلون باستمرار على عوائد مُرتفعة جدّاً من إقراض الدولة ولن يتحمّلوا أي مخاطر، كالتي يواجهها رأس المال عادة، ولا سيّما مخاطر انخفاض الربح أو خسارة أصول. من هم هؤلاء الدائنون الذين يجنون كل هذه الأرباح المضمونة؟

بداية، يجدر الانتباه إلى أن القسم المهمّ من الفوائد المُسدّدة على الدين العام يُعاد توزيعه على كبار المودعين في المصارف، الذين لا يزيد عددهم على 800 أسرة ويستحوذون على 30% من مجمل الودائع (كبار المودعين: من هم؟ كم يملكون؟ - رأس المال - 5 آذار/ مارس 2018).
كيف يتوزّع الدين الحكومي؟ ومَن الرابحون الكبار؟


تستند هذه الحسابات إلى بيانات وزارة المال عن تطوّر الدين وحجمه وتوزّعه:
1- المصارف التجارية، يبلغ عددها 50 مصرفاً، إلا أن 10 منها فقط تستحوذ على أكثر من 82% من مجمل موجودات القطاع المصرفي وتوظيفاته. توظّف هذه المصارف نحو 31.9 مليار دولار في الدين الحكومي، موزّعة بين 18.4 مليار دولار في الدين بالليرة (سندات الخزينة) و13.5 مليار دولار في الدين بالعملات الأجنبية (يوروبوندز). وبالاستناد إلى متوسطات الفائدة على الدين القائم في نهاية 2017 جنت المصارف في العام الماضي 1.2 مليار دولار من سندات الخزينة و850 مليون دولار من سندات اليوروبوندز، أي أكثر من ملياري دولار. وهو مبلغ يوازي ما دفعه المُقيمون في لبنان ضرائب على مجمل دخلهم (الأرباح والأجور). ويُرجّح أن المصارف جنت بين عامي 1993 و2017 نحو 50 مليار دولار تقريباً من الفوائد على الدين الحكومي. يجدر التذكير بأن هذا الحساب يخصّ دين الحكومة فقط ولا تدخل فيه أرباح المصارف من توظيفاتها في شهادات الإيداع الصادرة عن مصرف لبنان، التي تمثّل مصدر الربح الثاني بعد سندات الخزينة وسندات اليوروبوندز. وتفيد التقديرات بأن المصارف توظّف حالياً أكثر من 65% من موجوداتها في سندات الدين السيادية الصادرة عن وزارة المال ومصرف لبنان، وبالتالي تحقّق معظم إيراداتها من المال العام وتعيد توزيعها على المساهمين وكبار المودعين.
2- مصرف لبنان المركزي، أدى سابقاً دور المُكتَتِب الاحتياطي لسدّ أي نقص في اكتتابات المصارف في سندات الدين، إلا أن هذا الدور تطوّر مع الوقت، وبات يؤدي دور المُقرِض الوسيط للحكومة. فمنذ عام 2009 أخذت حصة مصرف لبنان من الدين الحكومي ترتفع باطّراد، إذ أخذ يكتتب في سندات الخزينة (بفائدة 7% مثلاً) ويصدر في المقابل شهادات إيداع لتكتتب بها المصارف بسعر فائدة أعلى من سندات الخزينة (9% مثلاً)، وصار يموّل هذا الفارق (مع أكلاف الهندسات المالية) عبر الأرباح التي يحقّقها من سندات الخزينة (تُقدّر هذه الأرباح بأكثر من 1.5 مليار دولار سنوياً) والأرباح التي تحقّقها الشركات المملوكة من المصرف المركزي (MEA وإنترا وغيرهما)، وعبر تسجيل المزيد من الخسائر في ميزانيته. هذا يعني أن الأرباح التي يحقّقها مصرف لبنان من الدين الحكومي تذهب بدورها إلى المصارف، وعبرها إلى كبار المساهمين والمودعين. تشير بيانات عام 2017 إلى أن مصرف لبنان يحمل أكثر من 28 مليار دولار، أو 35.3% من مجمل الدين الحكومي، 23.6 مليار دولار موظّفة في سندات الخزينة (تمثل أقل بقليل من النصف)، و4.8 مليارات دولار في سندات اليوروبوندز.
3- الدائنون الأجانب، وهم فئة يزداد دورها خطورة. ففي ظل السعي المحموم لجذب المزيد من الدولارات إلى لبنان، ظهر الميل إلى الإفراط في الاستدانة بالعملات الأجنبية من خلال «الأسواق»، وبدأت الحكومة بإصدار سندات اليوروبوندز منذ عام 1994، ليرتفع رصيدها من 400 مليون دولار إلى 28 مليار دولار في نهاية عام 2017، وهي تشكّل نحو 92.5% من مجمل دين الحكومة الخارجي. وبات المستثمرون الأجانب (أفراد وصناديق ومؤسسات مالية) يحملون أكثر من 10 مليارات دولار من هذا الدين.
4- تكتتب المؤسسات العامّة (صندوق الضمان الاجتماعي مثلاً ومؤسسة ضمان الودائع) بنحو 6 مليارات دولار في سندات الخزينة بالليرة، وكذلك الجمهور (الأفراد) نحو 850 مليون دولار، والمؤسسات المحلية غير المصرفية أكثر قليلاً من 300 مليون دولار.
5- الدائنون الرسميون الأجانب، وهم يملكون الحصة الأقل من الدين الحكومي، ولا تتجاوز 2.5 مليار دولار (3% تقريباً من مجمل الدين)، وهي ديون بالعملات الأجنبية، معظمها من البنك الدولي والصناديق العربية والأوروبية وبعض الدول.
للتواصل: [email protected]