لم تخصص أي منطقة في العالم للإنفاق العسكري، في العام الماضي، أكثر من 1.8% من مجمل ناتجها المحلي، ما عدا منطقة الشرق الأوسط، فقد خصصت دولها نحو 5.2%، علماً أن هذه النسبة ترتفع إلى 6.2% في الدول العربية وحدها (من دون إسرائيل وتركيا وإيران). هذه المنطقة الغنية بالنفط والمتخمة بالصراعات والتدخلات الخارجية والحروب الإسرائيلية، تمثّل سوقاً رئيسة لتجارة السلاح العالمية، التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأميركية، إذ إن نصف صادرات السلاح الأميركي تقريباً تتجه إلى الشرق الأوسط.

يقدَّر الإنفاق العالمي على الجيوش وتجهيزها بنحو 1.7 تريليون دولار في عام 2017، وهو نما بنسبة 1.1% مقارنةً بعام 2016. ووفق البيانات المحدّثة لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (www.sipri.org)، إن الدول الخمس الأكثر إنفاقاً على الشؤون العسكرية تستحوذ وحدها على 60% من مجمل الإنفاق العسكري العالمي، إذ تبلغ حصة الولايات المتحدة الأميركية وحدها 610 مليارات دولار، أي أكثر من ثلث الإنفاق في العالم، وما يصل إلى 3.1% من مجمل ناتجها المحلي. وتحلّ الصين في المرتبة الثانية (228 مليار دولار، أو 1.9% من مجمل الناتج المحلي، و13% من مجمل الإنفاق العسكري العالمي). فيما تقدّمت السعودية في العام الماضي إلى المرتبة الثالثة، وأزاحت روسيا إلى المرتبة الرابعة (التي تراجع إنفاقها العسكري إلى 66.3 مليار دولار) والهند إلى المرتبة الخامسة (63.9 مليار دولار).
يبلغ الإنفاق العسكري السعودي نحو 69.4 مليار دولار، أي أكثر من 10% من مجمل ناتجها المحلي، وهو يعادل 2150 دولاراً لكل فرد. هذا المتوسط مرتفع جدّاً مقارنةً بالمتوسط العالمي البالغ نحو 230 دولاراً للفرد.


يتنامى الإنفاق العسكري السعودي، على الرغم من تراجع إيرادات النفط وتنامي العجز المالي، مدفوعاً بالحرب التي تشنّها السعودية على اليمن، وبصفقات التسلّح التي تبرمها مع الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة. ويُرجَّح أن يواصل الإنفاق العسكري السعودي ارتفاعه في السنوات المقبلة، ولا سيما في ظل تنفيذ صفقة شراء أسلحة ومعدّات أميركية بقيمة 350 مليار دولار، منحتها السعودية، في العام الماضي، للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد تصريحات علنية متكررة، طالب فيها حكومات الخليج بالدفع في مقابل حمايتها.
تاتي الإمارات بعد السعودية مباشرة، كثاني أكبر إنفاق عسكري في الشرق الأوسط (24.4 مليار دولار، أو 5.6% من مجمل ناتجها المحلي وفق تقديرات عام 2014). تليها تركيا (18.2 مليار دولار، أو 2.2% من مجمل الناتج المحلي). ثم تأتي إسرائيل في المرتبة الرابعة (16.5 مليار دولار، أو 4.7% من مجمل الناتج المحلي، إلا أنها ستتفوق على تركيا بعد إضافة نحو 3.1 مليارات دولار كمساعدات عسكرية سنوية من الولايات المتحدة الأميركية). وتحلّ إيران في المرتبة الخامسة (14.5 مليار دولار، أو 3.1% من مجمل الناتج المحلي).
ترصد sipri التطورات في الإنفاق العسكري في جميع أنحاء العالم، وتعدّ بياناتها (على الرغم من الملاحظات الكثيرة عليها) الأكثر شمولاً مقارنةً بمصادر البيانات الأخرى. وتشمل تقديراتها كل الإنفاق الحكومي على القوات والأنشطة العسكرية، بما في ذلك الأجور والنفقات التشغيلية والبنية التحتية والأبحاث والتطوير والقيادة والإدارة والدعم، بالإضافة إلى مشتريات الأسلحة والمعدات المختلفة. ووفق هذه البيانات، بلغ إنفاق الدول العربية على جيوشها مجتمعة أكثر من 400 مليار دولار في العام الماضي (بالأسعار الثابتة لعام 2016). وبلغ متوسط نصيب الفرد من هذا الإنفاق نحو 985 دولاراً سنوياً، وهو من الأعلى بين مناطق العالم، ويشكّل مصدر استنزاف كبير للموازنات الحكومية على حساب الإنفاق الاجتماعي والاستثمار في الاقتصاد والبنية التحتية. واللافت أن 3 دول عربية (السعودية، مصر والإمارات) هي من ضمن أكبر 5 دول مستوردة للسلاح في العالم، وتقع هذه الدول بين الهند التي تحتل المرتبة الأولى، والصين التي تحتل المرتبة الخامسة، وتستحوذ هذه الدول الخمس على ثلث صادرات الأسلحة في العالم.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تنامى الإنفاق العسكري في المنطقة العربية إلى أكثر من ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي، فيما كان الإنفاق على الصحة، على سبيل المقارنة، أقل من نصف المتوسط العالمي. ولكن بعيداً عن هذه المقاربة «التنموية» البسيطة، تبدو العوامل المتصلة بتنامي الإنفاق العسكري أكثر تعقيداً، ولا سيما العوامل المتصلة بالصراع مع إسرائيل والصراع على النفط والصراعات على السلطة. فبين عامي 1946 و2012، أحصى مركز السلام المنظومي (csp) 326 نزاعاً مسلحاً في العالم، منها 59 نزاعاً في 14 بلداً عربياً، وبلغت التكاليف البشرية في هذه النزاعات نحو 3.5 ملايين شخص. ومنذ عام 2011، شهد نصف البلدان العربية تقريباً حالة على الأقل من الصراع المسلح. واليوم يعيش أكثر من 136 مليون شخص في العالم العربي في بلدان عصفت بها حروب ونزاعات، أوقعت خسائر جسيمة في الأرواح، وبسبب هذه الأوضاع، بات احتمال تعرض شخص في بلد عربي للجوء أكثر بثلاثين مرة من احتمال تعرض غيره من سكان العالم.
للتواصل: [email protected]