تقول الرواية المتداولة إن ديون الحكومة (من دون الديون على مصرف لبنان) وصلت إلى 79.5 مليار دولار في نهاية عام 2017، أي أكثر من 150% من مجمل الناتج المحلي، وهذه النسبة مرشّحة للارتفاع إلى 180% في غضون 5 سنوات، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، وإن خدمة الدين الحكومي (الفوائد) في موازنة عام 2018 وصلت إلى 5.5 مليارات دولار، أي أكثر من ثلث الإنفاق العام الإجمالي ونحو نصف الإيرادات الضريبية وغير الضريبية... ونتيجة ذلك، باتت الحكومة في وضع تعجز فيه عن الإيفاء بكل التزاماتها. بمعنى أنها أصبحت في وضع لن تقدر فيه على مواصلة تسديد فوائد الدين، وفي الوقت نفسه، مواصلة تحمّل كلفة تثبيت سعر الصرف، بالإضافة إلى صرف النفقات الأخرى، للموظفين والمتعاقدين والمتقاعدين، في الإدارة والتعليم والجيش وأجهزة الأمن والقضاء، ودعم أسعار الكهرباء والاستشفاء والضمان الاجتماعي، والتحويلات إلى المؤسسات العامة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

لا شك في أن هذا الوضع يثير قلقاً عامّاً، ولا مناص من مواجهته بطريقة ما. ولكن، هل ارتفاع مستوى الدين الحكومي وخدمته هو ما يثير قلق الدائنين حقاً؟ أليس هذا الدين هو الذي يحقق لهم أرباحهم السهلة والمضمونة؟ ثم، لماذا القلق الآن؟ أليست هذه هي حال الدين في لبنان منذ بداية تشكّله في تسعينيات القرن الماضي؟
يجدر التذكير بأن نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي بلغت سابقاً مستويات أعلى مما هي عليه اليوم، ففي عام 2006، على سبيل المثال، وصلت هذه النسبة إلى 183% من مجمل الناتج المحلي، وفي سنوات كثيرة سابقة استهلكت خدمة الدين الحكومي مجمل الإيرادات... وبالتالي كانت الحكومة في مواجهة معضلة دينها العام منذ النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، وهي استنفدت كل «الوصفات» المطروحة، إذ اعتمدت سياسات تقشفية وجمدت الأجور بين عامي 1996 و2012، وجمّدت كل الإنفاق الاستثماري تقريباً، وهو ما أدى إلى تدهور البنية التحتية والخدمات العامة، ولا سيما الكهرباء والمياه والنقل. فبين عامي 1993 و2017، أنفقت الحكومة أكثر من 216 مليار دولار، ولم تتجاوز حصة الإنفاق الاستثماري (التجهيز والصيانة) 14 مليار دولار (أي أقل من 6.5% فقط من مجمل إنفاق الموازنة)، فيما بلغت حصة خدمة الدين نحو 77 مليار دولار (أي أكثر من 35.6% من مجمل الإنفاق). أمّا الرواتب والأجور، فلم تتجاوز حصتها 21.2%، ومعاشات التقاعد 8.8%، وهي بمعظمها نفقات «عسكرية» ونفقات «تعليم». وذهبت 20 مليار دولار لدعم أسعار الكهرباء، و40 مليار دولار خصصت لتشغيل الدولة والتعويض عن تقلّص حجمها ودورها ووظائفها عبر تحويلات ذات طابع توزيعي - سياسي (يطلق عليه صفة الإنفاق الزبائني)، خصص الجزء المهم منه لدعم الشركات وقروضها وتمويل المنظمات غير الحكومية (بما فيها المؤسسات الطائفية العاملة في مجالات الرعاية الاجتماعية) وتمويل برامج المهجرين والنازحين والفقراء والضمان الاجتماعي والاستشفاء وأدوية الأمراض المزمنة والتعليم الخاص «المجاني»... إلخ.
هذا السخاء في خدمة الدين والإنفاق التوزيعي السياسي والدعم، في مقابل التقشف في الإنفاق على الاستثمار وتجميد الأجور لفترة طويلة، ترافق مع سياسات نقدية ومالية تعطي أولوية مطلقة لتثبيت سعر الصرف وزيادة الودائع وإعفاء رأس المال والثروة الخاصة والربح من أي عبء ضريبي فعلي، بل وتسخير الثروة العامة وريوع الدولة في خدمة النموذج القائم لتراكم رأس المال غير المنتج، في المصارف والعقارات والتجارة والسياحة، وهي أنشطة هشّة، شديدة الارتباط بالعوامل الخارجية، وترتكز، في التجربة اللبنانية، على تدفق الودائع والرساميل الأجنبية وتحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج. لقد أدى هذا النموذج وظيفته، وساهم بصورة حاسمة في زيادة الاستهلاك أكثر من الإنتاج (101% من مجمل الناتج المحلي)، وتمويل جزء مهم من هذا الاستهلاك عبر آليات الدين.
ما الذي تغيّر؟ ولماذا يقلق الدائنون اليوم أكثر مما كانوا قلقين قبل 10 سنوات أو 15 سنة؟
لا ينظر الدائنون إلى مستوى الدين بوصفه مصدر القلق، ما يقلقهم هو أن «النموذج»، الذي خلق هذا الدين وسمح بخدمته طوال ربع قرن، بات يواجه اختناقات جدّية، في ظل تباطؤ نمو الاقتصاد لسنوات متتالية طويلة وتراجع نمو الودائع وضمور التدفقات الخارجية وتسجيل ميزان المدفوعات عجوزات تراكمية متتالية منذ عام 2011. يشعر هؤلاء، كما الكثير من الاقتصاديين والسياسيين، بأن الحكومة باتت مجبرة على اتخاذ خيارات سياسية في مواجهة هذه الورطة «الداهمة».
يلخص الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي (رأس المال في القرن الحادي والعشرين - ترجمة وائل جمال وسلمى حسين) أصل المسألة على النحو الآتي: «توجد طريقتان أساسيتان تستطيع بهما الدولة تمويل نفقاتها، عن طريق الضرائب أو عن طريق الديون. وبشكل عام، تُعتبر الضرائب الوسيلة الأفضل، سواء من حيث العدالة أو من حيث الكفاءة. مشكلة الدين هي أنه يجب دائماً سداده. وهذا دائماً ما يكون في صالح أولئك الذين يملكون القدرة على إقراض الدولة، وهم أنفسهم الذين كان يجب فرض الضرائب عليهم».
هذه المفاضلة بين الدين والضرائب هي التي تقلق الدائنين، فهم يدركون أن على الحكومة أن تزيد إيراداتها وتقص جزءاً من نفقاتها (تلتزم الحكومة توصية صندوق النقد الدولي بخفض عجزها المالي بنسبة 5% من مجمل الناتج المحلي)، إلا أنهم لا يريدون أن يشاركوا في تحمّل الكلفة، سواء بالقص من الدين نفسه أو بالاقتطاع الضريبي من رأس المال نفسه لإطفاء القسم الخطير من هذا الدين.
لذا هم قلقون من أي مفاضلة، ويريدون أن يضمنوا أنهم محميّون من قصّ الشعر الى الأبد.